(أبو معروف) مسلكی، وله خبرة بالسلاح، ترأس "مجموعة ضاربة" وشن تمرداً عشائریاً ضد الذین كانوا شدیدی "القسوة" ضد القوات الأمیركیة ویواجهونها بأسالیب "وحشیة"  هارب، یطارده الجیش العراقی ومجموعة القاعدة فی العراق على حد سواء. خائف من مداهمات اللیل، ومن الكمائن. ینام فی بعض اللیالی فی خنادق الرّی. "إنها أشبه بأعجوبة أن یكون حیاً حتى الآن

وفی بیته بقریة "الریفوش" لیس بعیداً عن المكان الذی كان "الرجال الملثمون" یقومون –ذات یوم- بدوریاتهم فیه، قال((أنا عملت مع القوات الأمیركیة بقوة، ولكن فی النهایة تركونی جانباً. هذا ما عملوه)).

كان یتمشى فی بیته الكونكریتی القریب من "قناة مائیة" التی حُزت عندها رقبة أخیه بعد ان انقلب ضد القاعدة. إن هذا الحارس الأمنی السابق على بعض مواقع (صدام حسین) یجلس على حصیرة بلاستیكیة افترشها، ویداه لا تفارق الكلاشنكوف، فیما كانت "سترته ضد الرصاص" معلقة على الحائط. وثلاثة رجال یرتدون القمصان والبنطلونات الفضفاضة، كانوا على مقربة من المكان. ویقول (أبو معروف) الذی كان یجلس القرفصاء ببدلته الزرقاء المتربة، وبربطة عنقه الحریص على ارتدائها برغم كل الظروف: ((لقد هزمت القاعدة الأمیركان والحكومة العراقیة. ونحن أوقفنا القاعدة فی وقت قصیر. لقد طهرنا المنطقة من عناصر القاعدة بشكل كامل)).

 لقد كان متمرداً معروفاً. وفی سنة 2005، فجّر الجیش الأمیركی بیته بضربة جویة، وأكوام الأنقاض  مازالت قائمة حتى الیوم فی ساحة بیته الى جانب منضدة بلاستیكیة. إنّ "ولاءاته" قبل أن "یثور على القاعدة" ستبقى "لغزاً". إنه یسمّی نفسه "مستقلاً". ویذكر آخرون أنه كان موالیاً لـ"كتائب ثورة العشرین" وهی واحدة من المجموعات المسلحة، ویتهم أیضا بولائه للقاعدة فی العراق.

 وبعدما كسبت "انقلابه على القاعدة" مصداقیة، قدّمه رفیقه كبیر السن (أبو عزام) الذی كان معروفاً بعلاقات غامضة مع مجموعات التمرد الى القوات الأمیركیة.

وقبل شهر، داهم الجیش العراقی بیته واحتجز ابنه وأخاه. وقد أطلق سراح أخیه. ویزعم أن الأمیركان أخبروه أنهم لا یستطیعون ضمان أن أخاه لن یُعتقل ثانیة. واستقال  رسمیاً من "أبناء العراق". و أمر رجاله أن یبقوا فی وظائفهم، وأقسم أن لا یعود ما لم تطلق الحكومة سراح ابنه، وتتعهد بحصانته هو من المحاكمة.

 (أبو عزام) الرجل ضخم الجثة، والمولع بارتداء البدلات، قاد محادثات سریة مع الأمیركان ساعدت على "صیاغة تحالف" مع الجیش الأمیركی فی "أبو غریب"   ویمضی أیامه داخل الحیطان الكونكریتیة بالمنطقة الخضراء فی الاجتماعات مع المسؤولین فی مكتب رئیس الوزراء (نوری المالكی). والمصیران متباعدان لهذین المتمردین السُنّیین السابقین

ویمضی –منذ الربیع الماضی- بعض وقته فی "أبو غریب". وفی الوقت الذی اختار فیه (أبو معروف) التطواف من قریة الى قریة، فإن رفیقه یبحث عن "ملجأ" فی العاصمة، أولاً تحت حمایة الزعماء الدینیین السُنّة، ومن ثم السكن فی فندق الرشید بالمنطقة الخضراء شهد ذات یوم علاقاته الدافئة مع رئیس الوزراء (نوری المالكی). ویقول عن ذلك (أبو معروف): ((لقد سمعت أن أبو عزام یعمل مستشاراً لرئیس الوزراء، أو أنه رئیس الصحوة فی بغداد)).

 (أبو عزام)  یجلس ببدلة رجال الأعمال بین أكوام من الورق. ویقول إن هذا الرجل یتحدث عن أهدافه السیاسیة المحضة. ولمرات خیّمت على رأسه أوامر إلقاء القبض، لكنه تدبّر أمره بالتفاهم مع مكتب (المالكی) فی أیلول الماضی، وقد خدمه بشكل جید. ویقول الضباط الأمیركان عن (أبو عزام) وفرّ للحكومة العراقیة "قناة اتصال" مع المتمردین.

و إن وظیفته مازالت حتى هی كیف یقرب المسافة بین الحكومة والصحوة. ویضیف: ((لی علاقات جیدة مع الحكومة. إنها تهتم بما أفعله)). كان یتحدث عن الاجتماعات الروتینیة التی یعقدها فی المنطقة الخضراء. ویعترف أن مجموعته المقاتلة قد "تضاءل عددها" بعد عملیة القمع التی تعرض لها فی الربیع الماضی وتغییر مكانه الى بغداد.

وكان فی ذروة علاقته السابقة بمجموعته المتمردة "الجیش الإسلامی" ودخل فی "محادثات سریة" مع السفیر الأمیركی فی حزیران 2006. وفی خریف تلك السنة، ادعى أنه سحب عناصره من الجیش الإسلامی، وأعلن مع ثلاث مجموعات أخرى "هدنة" مع الجیش الأمیركی. ومن وجهة نظر (أبو عزام) أن  العمل مع الأمیركان على أنه "صد" للنفوذ الإیرانی. ویقول إن البعض یعدونه "منبوذا" ضمن مجتمعه الخاص.

 یضحك (أبو عزام) لأنّ بعض السُنّة یفكّرون أنه "ذهب بعیداً". لقد فاز بمقعد فی مجلس محافظة بغداد، ویخطط لخوض الانتخابات البرلمانیة الخریف المقبل. وهو یعتقد أن الأمیركان أوقفوا آخر خیط للتوقیفات ضد "أبناء العراق"، لكنه غیر متأكد كیف ستجری الأحداث. ویرى أن الحكومة منقسمة، فالناس الذین یحیطون بـ(المالكی) منهم من یؤازرون مد الید الى من هم مثله، ومنهم یعارضون ذلك. ویتوقّع أنه ذات یوم قریب سیُلقى علیه القبض. وهو یشكو من أن صدیقه القدیم لم یترك روابطه مع "التمرد" وهذه إدانة له.

 وبرغم اختیار كل منهما لطریقه  فإنّ كلیهما جاهز لمواجهة الأسوأ؛ (أبو معروف) یقول إنه یستطیع أن یدافع عن نفسه، إذا ما حاولت الحكومة اعتقاله، وحتى (أبو عزام) القریب من (المالكی) والقریب الى (الأمیركان) یتحدث عن "احتمالیة الحرب". ویقول: ((إن لم نأخذ مكاننا فی الحكومة، فإنّ لنا مكاناً آخر)). وتحدث مؤخراً عن اجتماعات مع الأمیركان و(مكتب المالكی) قائلاً: ((نحن لنا دور فی كل الأحوال سواء كان ذلك بالسلم أم بالحرب. ونحن نرغب أن نمارس دورنا بسلام)).