مدارس بغداد

 

 

 

 

بغداد، عاصمة العلم والمعرفة والأدب والازدهار، حوت بین ثنایاها العدید من المدارس التی ومازالت صرحا شامخا یستذكر به الأحفاد ما عمله الأجداد.

 

المستنصریة  مدرسة عریقة أسست زمن العباسیین فی بغداد عام 1233 م ، على ید الخلیفة المستنصر بالله، وكانت مركزا علمیا وثقافیا هاما. تقع فی جهة الرصافة من بغداد.

شیدت المستنصریة على مساحة 4836 متراً مربعاً، لتطل على شاطئ نهر دجلة بجانب "قصر الخلافة"

بالقرب من المدرسة النظامیة،  وكانت تتوسط المدرسة نافورة كبیرة فیها ساعة المدرسة المستنصریة العجیبة، وهی ساعة عجیبة غریبة تعد شاهداً على تقدم العلم عند العرب فی تلك الحقبة من الزمن وتعلن أوقات الصلاة على مدار الیوم.

وتتألف المدرسة من طابقین شیدت فیهما مائة غرفة بین كبیرة وصغیرة إضافة إلى الاواوین والقاعات،

وكانت المكتبة زاخرة بأعداد ضخمة من المجلدات النفیسة والكتب النادرة بلغ تعدادها 450 ألفا وتعد مرجعاً للطلاب. كما قصد المكتبة الكثیرون من العلماء والفقهاء وترددوا علیها وأفادوا من كنوزها العلمیة والأدبیة نحو قرنین من الزمن. وقد نقل الخلیفة نفائس الكتب من مختلف العلوم والمعارف ما یقدر بـ80 ألف مجلد بحسب الصنوف.

یتم اختیار الطلاب من المدارس المختلفة ومن الذین اشتهروا بالتألیف والتصنیف والتدریس من مختلف المدن العراقیة والبلدان الإسلامیة كالأندلس ومصر وقوینه والشام وأصفهان وخراسان.

مدة الدراسة فی المستنصریة عشرة أعوام وتضم أقسام علوم القرآن والسنة النبویة والمذاهب الفقهیة والنحو والفرائض والتركات ومنافع الحیوان والفلسفة والریاضیات والصیدلة والطب وعلم الصحة، وهی أول جامعة إسلامیة جمعت فیها الدراسة الفقهیة على المذاهب الأربعة (الحنفی والشافعی والمالكی والحنبلی) فی "مدرسة واحدة" أما المدارس الفقهیة التی قبلها فاختصت كل واحدة منها بتدریس مذهب معین من هذه المذاهب. وبعد انتهاء الدراسة یمنح الطالب شهادة التخرج التی تؤهله التوظف فی دواوین الدولة.

ظل التدریس قائما فی الجامعة المستنصریة أربعة قرون منذ ان افتتحت فی سنة (631هـ/1233م) حتى سنة (1048هـ/1638م)، وان تخلل ذلك فترات انقطاع، كانت الأولى فی أثناء الاحتلال المغولی لبغداد سنة (656هـ/1258م) وتوقفت الدراسة فیها قلیلاً، ثم عاد إلیها نشاطها من جدید؛ حیث استؤنفت الدراسة فی نفس السنة، وظلت الدراسة قائمة بالمستنصریة بانتظام بعد سقوط بغداد نحو قرن ونصف من الزمن.

توقفت الدراسة بها وبغیرها من مدارس بغداد؛ بسبب تدمیر تیمورلنك لبغداد مرتین الأولى سنة (765هـ/1392م) والأخرى فی سنة (803هـ/1400م)؛ حیث قضى تیمورلنك على مدارس بغداد ونكل بعلمائها وأخذ معه إلى سمرقند كثیراً من الأدباء والمهندسین والمعماریین، كما هجر بغداد عدد كبیر من العلماء إلى مصر والشام وغیرها من البلاد الإسلامیة، وفقدت المستنصریة فی هذه الهجمة الشرسة مكتبتها العامرة، وظلت متوقفة بعد غزو تیمورلنك نحو قرنین من الزمن حتى افتتحت للدراسة عام (998هـ/1589م)، ولكن لم تدم طویلا فعادت وأغلقت أبوابها عام (1048هـ/1638م)، ومن ثم فتحت مدرسة الآصفیة فی مكانها، وكانت مدرسة الآصفیة من مرافق المدرسة المستنصریة، وجدد عمارتها الوزیر داود باشا والی بغداد فی عام (1242هـ/ 1826م)، وسمیت بالآصفیة نسبة إلى داود باشا الملقب بآصف الزمان. واستعادت دائرة الآثار العراقیة ملكیة المدرسة المستنصریة عام 1940م.

- أجریت أول أعمال صیانة للمدرسة 1960م.

- الصیانة الثانیة كانت فی 1973م.

 

المدرسة الموفقیة من معالم بغداد التاریخیة، ولقد شیدها موفق الخادم، وسماها على أسمه، وذكرها ابن الساعی فی حوادث عام 602هـ، عند ذكر ترجمة محمد بن الوزیر أبی الفتح بن الداریح، أحد وزراء الناصر لدین الله المتوفى عام 602هـ، وصلى علیه فی المدرسة النظامیة، ثم دفن بالمدرسة الموفقیة، إلى جنب قبر موفق الخادم، وكان قد أوقف جمیع ما لدیه من مال وأملاك على هذه المدرسة، وذكرها الذهبی فی مختصر تاریخ ابن الدبیثی عند ترجمة أحمد بن الحسن بن سلامة بن صاعد المنبجی، ثم البغدادی، فقال: (درس بالموفقیة التی بدرب زاخی).

ودرب زاخی منطقة تقع شرقی مدینة بغداد، والتی تقع حالیا فی شارع المتنبی المؤدی إلى مبانی المحاكم المدنیة قدیما والمسماة حالیا بمبنى القشلة، وبینه وبین الجانب الغربی جسر یصل بین جانبی بغداد فی أواخر أیام الخلافة العباسیة. وفوق رأسه من الجانب الغربی قصر عیسى عم المنصور وحلة قصر عیسى ومصب نهر عیسى الآتی من الفرات. ودرب زاخی هی منسوبة إلى الموفق بن عبد الله الخاتونی، نسبة إلى الخاتون الملكشاهیة زوج الخلیفة المستظهر بالله، لأنه كان مملوكها وتوفی بالمدرسة، وجاء ذكر هذه المدرسة فی المنتظم لابن الجوزی البغدادی، وكذلك فی كتاب (الجواهر المضیة فی فقهاء الحنفیة) للقرشی، وكانت هذه المدرسة فی مبنى القشلة الحالی (والذی كان موضع مدیریة العقاری (الطابو) ووزارة العدل فی العهد الملكی).

 

المدرسة الآصفیة من مدارس بغداد الأثریة، وجامع الآصفیة من المساجد القدیمة فی بغداد ویقع قرب رأس الجسر القدیم المطل على نهر دجلة، وكان یسمى بجامع المولى خانة أو تكیة المولى خانة جدد عمارته محمد جلبی كاتب الدیوان وكاتم السر فی عهد أحمد الطویل عام 1017هـ، وكانت هذه المدرسة من مرافق المدرسة المستنصریة، وجدد عمارتها الوزیر داود باشا والی بغداد فی عام (1242هـ، 1826م)، وسمیت بالآصفیة نسبة إلى داود باشا المنعوت بآصف الزمان، وجعل فی الجامع مدرستین أولى وثانویة، وأقام فیه واعظا ومدرسا ومجموعة من المؤذنین والخدم، وجعل لهم مخصصات، وأرخ عمارة الجامع والمدرستین الشاعر الشیخ صالح التمیمی بقصیدة وهذا بیت التأریخ:

                        ومذ أتم غدا الداعی یؤرخه         ذا الجامع بـالندا داود عمـره

وقد تصدر للتدریس فیها أسعد أفندی الموصلی المدرس، ومن بعده ابنه عبد الوهاب أفندی، والشیخ علی بن حسین الكوتی المتوفى عام 1335هـ، وكان آخر مدرس فیها هو العلامة عبد الجلیل أفندی آل جمیل الذی توفی عام 1376هـ، وألغی التدریس فیها ونقلت مكتبتها الأثریة إلى مكتبة الأوقاف العامة الكائنة بباب المعظم فی بغداد.

 

المدرسة النظامیة من مدارس بغداد القدیمة، ولهذه المدرسة شهرة عظیمة وكانت فی جانب الرصافة من بغداد، وتم بنائها وعمارتها عام459هـ/1066م، وفتحت یوم السبت 10 ذو الحجة من نفس العام، وتم تجدید عمارتها وبنیانها عام (504هـ/1110م)، وهی مدرسة كان یدرس فیها مختلف العلوم واعتبرت مع المدرسة المستنصریة من أشهر مدارس العصر العباسی، وهی من المعالم الأثریة التی اندثرت ولم یعرف موقعها ودرست رسومها ومن آثارها المنارة المقطوعة فی محلة تحت التكیة التی هدمت فی الخمسینات من القرن الماضی، ومن آثارها دار القرآن وهی حجرة كانت واقعة فی سوق البزازین والتی أتخذها الملا أحمد بن الحاج فلیح مدرسة لتدریس القرآن، وهدمت بعد ذلك وانمحى أثرها، وموضعها على ما هو مشهور فی سوق الخفافین وتمتد إلى سوق العطارین وحالیاً توجد مدرسة إعدادیة فی منطقة حی الوحدة فی بغداد تسمى بالمدرسة النظامیة سمیت على أسمها.

ومن العلماء الذین تصدروا للتدریس فیها الشیخ أبو إسحاق الشیرازی، وأبو نصر المعروف بابن الصباغ، وأبو سعید المعروف بالمتولی، وأبو حامد الغزالی، وأبو بكر الشاشی، وعلی بن أحمد بن یوسف القرشی الأموی الذی كان یدرس الفقه الشافعی، والنحو، واللغة، والحساب وتوفی عام 557هـ.