تبلیغات
راحیل - مطالب القصص القرانیة

قصة نبی الله عزیر - ع -

1387/09/28 09:17 ب.ظ
الارشیف الیومی:القصص القرانیة، 

قصة نبی الله عزیر  - ع -

 





وردت قصة عزیر - وهو رجل مسلم صالح من بنی إسرائیل - موجزة فی سورة "البقرة" من القرءان الكریم، وها نحن نوردها مفصلة بإذن الله وتوفیقه لما فیها من إظهار لعظیم قدرة الله تعالى.
انقسم بنو إسرائیل إلى عدة أقسام، فمنهم من كان مؤمنا مسلما متبعا للإسلام حق الاتباع، ومنهم من كفروا وأدخلوا التحریف على الدین زاعمین أن هذا هو الحق، مما أدى إلى حدوث فتن عظیمة كانت تودی أحیانا بحیاة بعض الأنبیاء الكرام علیهم الصلاة والسلام الذین قتلوا على أیدی هؤلاء الیهود الملاعین.
ولما تكاثر فسادهم وطغوا وبغوا وكانوا قد قتلوا نبیین كریمین على الله هما سیدنا زكریا وولده سیدنا یحیى علیهما السلام، سلط الله المنتقم علیهم حاكما كافرا هو بختنصر، أتى من ناحیة العراق بجیش جرار إلى البیت المقدس فی فلسطین فغزا بنی إسرائیل فی عقر دارهم وقتل منهم الكثیر وأسر الباقین وهرب القلیلون، ثم أمر جنده بجلب كمیات كبیرة من الأتربة ووضعها على المدینة حتى صارت كالجبل العظیم إمعانا فی إذاقتهم الذل والهون.
وأخذ بختنصر الأسرى معه إلى بابل وكان بینهم بعض علماء بنی إسرائیل الذین كانوا على الإسلام وقد دفنوا التوراة الأصلیة قبل خروجهم من بیت المقدس فی مكان عرفوا موضعه وحدهم، وكان منهم عزیر بن شرخیا الذی استطاع العودة إلى بیت المقدس بعد فترة، لكنه وجده على حالته البالیة، وقد دمر ما تبقى من بیوت ودور وحولها الجثث الممزقة والأطراف المتفرقة والعظام المقطعة، فمر بینهم متعجبا من حالهم وكان یجر وراءه حماره، ولما وصل إلى بساتین هذه المدینة رءاها عامرة بالفاكهة النضرة الطریة فزادت دهشته إذ الأشجار مثمرة والناس میتون، فقال وقد أثرت فیه العبرة: "سبحان الله القادر على إحیاء هذه المدینة وأهلها بعدما أصبحواعلى هذه الحال".
ثم تناول من تلك الأشجار عنبا وتینا وملأ منهما سلة له ثم عصر عنبا فی وعاء وشرب منه قلیلا وقعد یستریح تحت ظل شجرة وما هی إلا لحظات حتى أماته الله وحجبه عن عیون الناس والسباع والطیور.
وبعد سبعین سنة من موت عزیر أرسل الله ملكا إلى ملك من ملوك فارس یقال له "لوسك" فقال له: "إن الله یأمرك أن تنهض بقومك فتقصد بیت المقدس لتعمره وما حوله من الأراضی حتى یعود أحسن مما كان"، فأمر الملك "لوسك" عشرات الألوف من مملكته بالخروج لتعمیر المدینة، وعاد من بقی من بنی إسرائیل إلیها، فعمروها فی ثلاثین سنة وكثروا حتى كانوا كأحسن حال من رخاء عیش.
وبعد اكتمال مائة عام على موت عزیر أحیاه الله تعالى بقدرته العظیمة، وكان قد أماته صباحا ثم بعثه قبل الغروب بعد مرور هذه الفترة الطویلة، فأحیا منه أول ما أحیا قلبه لیدرك به وعینیه لیرى بهما كیفیة بعث الأجساد فیقوى یقینه، ثم رأى عزیر سائر جسده كیف یركب من جدید، ثم أتاه ملك كریم من الملائكة فقال له: "كم لبثت؟" فأجابه عزیر على حسب ماتوقعه "لبثت یوما" ثم رأى أن الشمس لم تغرب كلها بعد فقال: "أو بعض یوم" فأوضح له الملك الكریم قائلا: "بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك" فنظر إلى سلة التین والعنب ما زالت كما قطفها طازجة نضرة، وإلى الشراب فی الوعاء لم یتعفن.
ثم قال له الملك: "وانظر إلى حمارك" فنظر إلیه حیث ربطه بالشجرة، فوجده میتا وعظامه قد أصبحت بیضاء نخرة، وقد تفرقت أطرافه وبلیت، وسمع صوت ملك من السماء یقول: "أیتها العظام البالیة تجمعی بإذن الله"، فانضمت أجزاء العظام إلى بعضها، ثم التصق كل عضو بما یلیق به، الضلع إلى الضلعِ، والذراع إلى مكانه، ثم جاء الرأس إلى موضعه، وركبت الأعصاب والعروق ثم أنبت الله اللحم الطری على الهیكل العظمی، وكساه بالجلد الذی انبسط على اللحم، ثم خرج الشعر من الجلد.
وعندها جاء ملك فنفخ الروح بإذن الله فی منخری الحمار فقام ینهق، فهبط عزیر إلى الأرض ساجدا لله بعد أن شاهد ءایة من ءایات الله تعالى العجیبة الباهرة وهی إحیاء الموتى وقال: "أعلم أن الله على كل شئ قدیر".
وروی أنه لما خرج عزیر قبل مائة عام كان عمره أربعین عاما، أسود الشعر، قوی البنیة، وقد ترك زوجته حاملا، فلما مات ولد له ولد كان عمره مائة عام عندما عاد أبوه إلى الحیاة، فركب عزیر حماره وأتى محلته حیث كان یسكن فلم یعرفه أحد من أهله ولم یعرفهم، إذ قد ولد أناس ومات أناس، وقصد منزله فوجد عجوزا عمیاء مقعدة كانت خادمة عندهم وهی بنت عشرین عاما، فقال لها: "أهذا منزل عزیر؟" قالت: "نعم"، وبكت بكاء غزیرا وأكملت قائلة: "لقد ذهب عزیر منذ عشرات السنین ونسیه الناس، وما رأیت أحدا منذ زمن بعید جدا ذكر عزیر إلا الآن.
قال: "أنا عزیر أماتنی الله مائة عام وها قد بعثنی"، فاضطرب أمر هذه العجوز، ثم قالت: "إن عزیرا كان رجلا صالحا، مستجاب الدعوة لا یدعو لمریض أو صاحب بلاء إلا تعافى بإذن الله، فادع الله أن یعافی جسدی ویرد بصری"، فدعا الله تعالى، فإذا هی ذات بصر حاد، ووجه مشرق قد قامت واقفة على رجلیها كأنه ما أصابها ضر قائلة: "أشهد أنك عزیر".
ثم انطلقت به إلى بنی إسرائیل، وبینهم أولاده وأحفاده ورءوسهم ولحاهم أبیض من الثلج، ومنهم من بلغ الثمانین، ومنهم من قارب الخمسین، وبین القوم بعض أصدقائه الذین أتعب الزمان أجسادهم فانحنوا، وأذاب جلودهم، وصاحت: "إن عزیرا الذی فقدتموه منذ مائة عام قد رده الله تعالى رجلا قویا یمشی مشیة الشباب الكاملین، وظهر لهم عزیر بهی الطلعة، سوی الخلق، شدید العضلات، أسود الشعر، فلم یعرفوه ولكنهم أرادوا أن یمتحنوه، فأتى ابنه وقال له: "لقد كانت أمی تخبرنی أنه كان لأبی شامة سوداء مثل الهلال بین كتفیه، فأرنا إیاها، فكشف عزیر عن ظهره فظهرت الشامة، ثم أرادوا أن یتیقنوا أكثر فقال رجل كبیر بینهم "أخبرنا أجدادنا أن بختنصر لما هاجم بیت المقدس أحرق التوارة ولم یبق ممن حفظه غیبا إلا القلیل ومنهم عزیر، فإن كنت هو فاتل علینا ماكنت تحفظ"، فقام ولحقوا به إلى الموضع الذی دفن فیه التوارة عند هجوم بختنصر، فأخرجها وكانت ملفوفة بخرقة فتعفن بعض ورقها، وجلس فی ظل شجرة وبنو إسرائیل حوله، فأمسكوا بالتوراة یتابعون ما سیتلو، وتلا التوراة لم یترك ءایة منها، ولم یحرف جزءا، ولم ینقص حرفا.
عند ذلك صافحوه مصدقین، وأقبلوا علیه یتبركون به، ولكنهم لجهلهم لم یزدادوا إیمانا، بل كفروا وقالوا: "عزیر ابن الله" والعیاذ بالله تعالى.

 

قصة عزیر علیه السلام

 

المشهور أن عزیراً من أنبیاء بنی إسرائیل وأنه كان فیما بین داود وسلیمان وبین زكریا ویحیى، وأنه لما لم یبقى فی بنی إسرائیل من یحفظ التوراة ألهمه الله حفظها فسردها على بنی إسرائیل

 أَوْ كَالَّذِی مَرَّ عَلَى قَرْیَةٍ وَهِیَ خَاوِیَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ یُحْیِـی هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ یَوْماً أَوْ بَعْضَ یَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ یَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آیَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَیْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَیَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَیْءٍ قَدِیرٌ

 أن عزیرا كان عبدا صالحا حكیما، خرج ذات یوم إلى ضیعة له یتعاهدها، فلما انصرف انتهى إلى خربة حین قامت الظهیرة أصابه الحر، فدخل الخربة وهو على حمار له، فنزل عن حماره ومعه سلة فیها تین وسلة فیها عنب، فنزل فی ظل تلك الخربة، وأخرج قصعة معه، فاعتصر من العنب الذی كان معه فی القصعة، ثم أخرج خبزا یابسا معه فألقاه فی تلك القصعة فی العصیر لیبتل لیأكله، ثم استلقى على قفاه وأسند رجلیه إلى الحائط، فنظر سقف تلك البیوت ورأى منها ما فیها وهی قائمة على عرشها وقد باد أهلها، ورأى عظاما بالیة

فقال: {أنى یحیی هذه الله بعد موتها!}

 

فلم یشك أن الله یحییها ولكن قالها تعجبا. فبعث الله ملك الموت فقبض روحه، فأماته الله مائة عام، فلما أتت علیه مائة عام وكان فیما بین ذلك فی بنی إسرائیل أمور وأحداث، فبعث الله إلى عزیر ملكا فخلق قلبه لیعقل به، وعینیه لینظر بهما فیعقل كیف یحیی الله الموتى، ثم ركب خلقه وهو ینظر، ثم كسا عظامه اللحم والشعر والجلد، ثم نفخ فیه الروح كل ذلك یرى ویعقل، فاستوى جالسا

فقال له الملك: كم لبثت؟

قال: لبثت یوما وذلك أنه كان نام فی صدر النهار عند الظهیرة، وبعث فی آخر النهار والشمس لم تغب. فقال: أو بعض یوم، ولم یتم لی یوم.

فقال له الملك: بل لبثت مائة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك، یعنی الطعام الخبز الیابس، وشرابه العصیر الذی كان اعتصر فی القصعة، فإذا هما على حالهما لم یتغیر العصیر والخبز الیابس، فذلك قوله {لم یتسنه} یعنی لم یتغیر، وكذلك التین والعنب غض لم یتغیر عن حاله، فكأنه أنكر فی قلبه.

فقال له الملك: أنكرت ما قلت لك انظر إلى حمارك. فنظر فإذا حماره قد بلیت عظامه وصارت نخرة،

فنادى الملك عظام الحمار فأجابت وأقبلت من كل ناحیة حتى ركبه الملك وعزیر ینظر إلیه، ثم ألبسها العروق والعصب، ثم كساها اللحم، ثم أنبت علیها الجلد والشعر، ثم نفخ فیه الملك، فقام الحمار رافعا رأسه وأذنیه إلى السماء ناهقا،

فذلك قوله {وانظر إلى حمارك ولنجعلك آیة للناس وانظر إلى العظام كیف ننشزها ثم نكسوها لحما}

 

یعنی انظر إلى عظام حمارك كیف یركب بعضها بعضا فی أوصالها، حتى إذا صارت عظاما مصورا حمارا بلا لحم، ثم انظر كیف نكسوها لحما {فلما تبین له قال أعلم أن الله على كل شیء قدیر} من احیاء الموتى وغیره.

 

 قال فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس، وأنكر الناس، وأنكر منازله، فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله، فإذا هو بعجوز عمیاء مقعدة قد أتى علیها مائة وعشرون سنة كانت أمة لهم، فخرج عنهم عزیر وهی بنت عشرین سنة كانت عرفته وعقلته فقال لها عزیر: یا هذه أهذا منزل عزیر؟ قالت: نعم، وبكت وقالت: ما رأیت أحدا من كذا وكذا سنة یذكر عزیرا وقد نسیه الناس.

قال: فإنی أنا عزیر.

قالت: سبحان الله! فإن عزیرا قد فقدناه منذ مائة سنة فلم نسمع له بذكر.

قال: فإنی أنا عزیر، كان الله أماتنی مائة سنة ثم بعثنی.

قالت: فإن عزیرا كان رجلا مستجاب الدعوة، یدعو للمریض ولصاحب البلاء بالعافیة والشفاء فادع الله أن یرد علی بصری حتى أراك، فإن كنت عزیرا عرفتك. فدعا ربه ومسح یده على عینیهما؟؟ فصحتا، وأخذ بیدها فقال: قومی بإذن الله، فأطلق الله رجلها فقامت صحیحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت فقالت: أشهد أنك عزیر.

 

{وَقَالَتْ الْیَهُودُ عُزَیْرٌ ابْنُ اللَّهِ}

و جاء عزیر الى بنى اسرائیل

فقالت بنو إسرائیل: فإنه لم یكن فینا أحد حفظ التوراة وقد حرق بختنصر التوراة ولم یبق منها شیء إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا.

فكتب عزیر لبنی إسرائیل التوراة من حفظه،

فقال بنی إسرائیل: لم یستطع موسى أن یأتینا بالتوراة إلا فی كتاب وأن عزیراً قد جاءنا بها من غیر كتاب. فقالت طوائف منهم عزیر ابن الله.

 

 


قصة لوط ع

1387/09/18 01:56 ب.ظ
الارشیف الیومی:القصص القرانیة، 

لوط  - ع -



أرسله الله لیهدی قومه ویدعوهم إلى عبادة الله، وكانوا قوما ظالمین یأتون الفواحش ویعتدون على الغرباء وكانوا یأتون الرجال شهوة من دون النساء فلما دعاهم لوط لترك المنكرات أرادوا أن یخرجوه هو وقومه فلم یؤمن به غیر بعض من آل بیته، أما امرأته فلم تؤمن ولما یئس لوط دعا الله أن ینجیهم ویهلك المفسدین فجاءت له الملائكة وأخرجوا لوط ومن آمن به وأهلكوا الآخرین بحجارة مسومة.
دعى لوط قومه إلى عبادة الله وحده لا شریك له، ونهاهم عن كسب السیئات والفواحش. واصطدمت دعوته بقلوب قاسیة وأهواء مریضة ورفض متكبر. وحكموا على لوط وأهله بالطرد من القریة. فقد كان القوم الذین بعث إلیهم لوط یرتكبون عددا كبیرا من الجرائم البشعة. كانوا یقطعون الطریق، ویخونون الرفیق، ویتواصون بالإثم، ولا یتناهون عن منكر، وقد زادوا فی سجل جرائمهم جریمة لم یسبقهم بها أحد من العالمین. كانوا یأتون الرجال شهوة من دون النساء.
لقد اختلت المقاییس عند قوم لوط.. فصار الرجال أهدافا مرغوبة بدلا من النساء، وصار النقاء والطهر جریمة تستوجب الطرد.. كانوا مرضى یرفضون الشفاء ویقاومونه.. ولقد كانت تصرفات قوم لوط تحزن قلب لوط.. كانوا یرتكبون جریمتهم علانیة فی نادیهم.. وكانوا إذا دخل المدینة غریب أو مسافر أو ضیف لم ینقذه من أیدیهم أحد.. وكانوا یقولون للوط: استضف أنت النساء ودع لنا الرجال.. واستطارت شهرتهم الوبیلة، وجاهدهم لوط جهادا عظیما، وأقام علیهم حجته، ومرت الأیام والشهور والسنوات، وهو ماض فی دعوته بغیر أن یؤمن له أحد.. لم یؤمن به غیر أهل بیته.. حتى أهل بیته لم یؤمنوا به جمیعا. كانت زوجته كافرة.

وزاد الأمر بأن قام الكفرة بالاستهزاء برسالة لوط علیه السلام، فكانوا یقولون: (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِینَ). فیئس لوط منهم، ودعا الله أن ینصره ویهلك المفسدین.
ذهاب الملائكة لقوم لوط: خرج الملائكة من عند إبراهیم قاصدین قریة لوط.. بلغوا أسوار سدوم.. وابنة لوط واقفة تملأ وعاءها من میاه النهر.. رفعت وجهها فشاهدتهم.. فسألها أحد الملائكة: یا جاریة.. هل من منزل؟
قالت [وهی تذكر قومها]: مكانكم لا تدخلوا حتى أخبر أبی وآتیكم.. أسرعت نحو أبیها فأخبرته. فهرع لوط یجری نحو الغرباء. فلم یكد یراهم حتى (سِیءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـذَا یَوْمٌ عَصِیبٌ) سألهم: من أین جاءوا؟ .. وما هی وجهتهم؟.. فصمتوا عن إجابته. وسألوه أن یضیفهم.. استحى منهم وسار أمامهم قلیلا ثم توقف والتفت إلیهم یقول: لا أعلم على وجه الأرض أخبث من أهل هذا البلد.
قال كلمته لیصرفهم عن المبیت فی القریة، غیر أنهم غضوا النظر عن قوله ولم یعلقوا علیه، وعاد یسیر معهم ویلوی عنق الحدیث ویقسره قسرا ویمضی به إلى أهل القریة - حدثهم أنهم خبثاء.. أنهم یخزون ضیوفهم.. حدثهم أنهم یفسدون فی الأرض. وكان الصراع یجری داخله محاولا التوفیق بین أمرین.. صرف ضیوفه عن المبیت فی القریة دون إحراجهم، وبغیر إخلال بكرم الضیافة.. عبثا حاول إفهامهم والتلمیح لهم أن یستمروا فی رحلتهم، دون نزول بهذه القریة.
سقط اللیل على المدینة.. صحب لوط ضیوفه إلى بیته.. لم یرهم من أهل المدینة أحد.. لم تكد زوجته تشهد الضیوف حتى تسللت خارجة بغیر أن تشعره. أسرعت إلى قومها وأخبرتهم الخبر.. وانتشر الخبر مثل النار فی الهشیم. وجاء قوم لوط له مسرعین.. تساءل لوط بینه وبین نفسه: من الذی أخبرهم؟.. وقف القوم على باب البیت.. خرج إلیهم لوط متعلقا بأمل أخیر، وبدأ بوعظهم:
(هَـؤُلاء بَنَاتِی هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ).. قال لهم: أمامكم النساء -زوجاتكم- هن أطهر.. فهن یلبین الفطرة السویة.. كما أن الخالق -جلّ فی علاه- قد هیّئهن لهذا الأمر.
(فَاتَّقُواْ اللّهَ).. یلمس نفوسهم من جانب التقوى بعد أن لمسها من جانب الفطرة.. اتقوا الله وتذكروا أن الله یسمع ویرى.. ویغضب ویعاقب وأجدر بالعقلاء اتقاء غضبه.
(وَلاَ تُخْزُونِ فِی ضَیْفِی).. هی محاولة یائسة لِلَمْس نخوتهم وتقالیدهم. و ینبغی علیهم إكرام الضیف لا فضحه.

(أَلَیْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِیدٌ).. ألیس فیكم رجل عاقل؟.. إن ما تریدونه -لو تحقق- هو عین الجنون.

إلا أن كلمات لوط علیه السلام لم تلمس الفطرة المنحرفة المریضة، ولا القلب الجامد المیت، ولا العقل المریض الأحمق.. ظلت الفورة الشاذة على اندفاعها.

أحس لوط بضعفه وهو غریب بین القوم.. نازح إلیهم من بعید بغیر عشیرة تحمیه، ولا أولاد ذكور یدافعون عنه.. دخل لوط غاضبا وأغلق باب بیته.. كان الغرباء الذین استضافهم یجلسون هادئین صامتین.. فدهش لوط من هدوئهم.. وازدادت ضربات القوم على الباب.. وصرخ لوط فی لحظة یأس خانق: (قَالَ لَوْ أَنَّ لِی بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِی إِلَى رُكْنٍ شَدِیدٍ) تمنى أن تكون له قوة تصدهم عن ضیفه.. وتمنى لو كان له ركن شدید یحتمی فیه ویأوی إلیه.. غاب عن لوط فی شدته وكربته أنه یأوی إلى ركن شدید.. ركن الله الذی لا یتخلى عن أنبیائه وأولیائه.. قال رسول الله صلى الله علیه وسلم، وهو یقرأ هذه الآیة: "رحمة الله على لوط.. كان یأوی إلى ركن شدید".

هلاك قوم لوط:

عندما بلغ الضیق ذروته.. وقال النبی كلمته.. تحرك ضیوفه ونهضوا فجأة.. أفهموه أنه یأوی إلى ركن شدید.. فقالوا له لا تجزع یا لوط ولا تخف.. نحن ملائكة.. ولن یصل إلیك هؤلاء القوم.. ثم نهض جبریل، علیه السلام، وأشار بیده إشارة سریعة، ففقد القوم أبصارهم.

التفتت الملائكة إلى لوط وأصدروا إلیه أمرهم أن یصحب أهله أثناء اللیل ویخرج.. سیسمعون أصواتا مروعة تزلزل الجبال.. لا یلتفت منهم أحد.. كی لا یصیبه ما یصیب القوم.. أی عذاب هذا؟.. هو عذاب من نوع غریب، یكفی لوقوعه بالمرء مجرد النظر إلیه.. أفهموه أن امرأته كانت من الغابرین.. امرأته كافرة مثلهم وستلتفت خلفها فیصیبها ما أصابهم.

سأل لوط الملائكة: أینزل الله العذاب بهم الآن.. أنبئوه أن موعدهم مع العذاب هو الصبح.. (أَلَیْسَ الصُّبْحُ بِقَرِیبٍ)؟

خرج لوط مع بناته وزوجته.. ساروا فی اللیل وغذوا السیر.. واقترب الصبح.. كان لوط قد ابتعد مع أهله.. ثم جاء أمر الله تعالى.. قال العلماء: اقتلع جبریل، علیه السلام، بطرف جناحه مدنهم السبع من قرارها البعید.. رفعها جمیعا إلى عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات دیكتهم ونباح كلابهم، قلب المدن السبع وهوى بها فی الأرض.. أثناء السقوط كانت السماء تمطرهم بحجارة من الجحیم.. حجارة صلبة قویة یتبع بعضها بعضا، ومعلمة بأسمائهم، ومقدرة علیهم.. استمر الجحیم یمطرهم.. وانتهى قوم لوط تماما.. لم یعد هناك أحد.. نكست المدن على رؤوسها، وغارت فی الأرض، حتى انفجر الماء من الأرض.. هلك قوم لوط ومحیت مدنهم.

كان لوط یسمع أصوات مروعة.. وكان یحاذر أن یلتفت خلفه.. نظرت زوجته نحو مصدر الصوت فانتهت.. تهرأ جسدها وتفتت مثل عمود ساقط من الملح.

قال العلماء: إن مكان المدن السبع.. بحیرة غریبة.. ماؤها أجاج.. وكثافة الماء أعظم من كثافة میاه البحر الملحة.. وفی هذه البحیرة صخور معدنیة ذائبة.. توحی بأن هذه الحجارة التی ضرب بها قوم لوط كانت شهبا مشعلة. یقال إن البحیرة الحالیة التی نعرفها باسم "البحر المیت" فی فلسطین.. هی مدن قوم لوط السابقة.

انطوت صفحة قوم لوط.. انمحت مدنهم وأسمائهم من الأرض.. سقطوا من ذاكرة الحیاة والأحیاء.. وطویت صفحة من صفحات الفساد.. وتوجه لوط إلى إبراهیم.. زار إبراهیم وقص علیه نبأ قومه.. وأدهشه أن إبراهیم كان یعلم.. ومضى لوط فی دعوته إلى الله.. مثلما مضى الحلیم الأواه المنیب إبراهیم فی دعوته إلى الله.. مضى الاثنان ینشران الإسلام فی الأرض.
__________________


قصة نبی الله شعیب - ع -

1387/09/18 01:47 ب.ظ
الارشیف الیومی:القصص القرانیة، 

قصة نبی الله شعیب  - ع -

لم ترد قصة شعیب علیه السلام إلا فی اربع سور من القرآن الكریم هی: الأعراف وهود والشعراء والعنكبوت.

وشعیب لقب بخطیب الانبیاء لما أعطی من منطق حسن وأسلوب لین، وقد بعثه الله الى مدین او أصحاب الأیكة، وهؤلاء قوم ابتلاهم الله بنقص فی المكیال والمیزان، فكانت دعوة شعیب لهم بأن لا ینقصوا المكیال والمیزان، لأن ذلك یعد غشا وكذبا وخداعا والله لا یرضى بذلك.

إذن بعد توحید الله لابد من معاملة الناس بالعدل والاحسان، قال تعالى: “والى مدین أخاهم شعیبا قال یا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غیره، قد جاءتكم بینة من ربكم فأوفوا الكیل والمیزان ولا تبخسوا الناس أشیاءهم ولا تفسدوا فی الارض بعد اصلاحها، ذلكم خیر لكم ان كنتم مؤمنین” الآیة رقم 85 من سورة الاعراف.
لكن قوم شعیب كغیرهم صاروا یستهزئون بنبیهم ویقولون له: أصلاتك تأمرك بهذا؟
عندئذ حل بهم العذاب قال تعالى: “فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فی دارهم جاثمین”. ویقول فی آیة اخرى: “فكذبوه فأخذهم عذاب یوم الظلة انه كان عذاب یوم عظیم” الآیة رقم 189 من سورة الشعراء.
ابتلی قوم شعیب بالحر الشدید، لا یروی ظمأهم ماء ولا تقیهم ظلال ولا تمنعهم جبال ففروا هاربین، ورأوا سحابة مظلة لهم من وهج الشمس وحسبوها ستارا من شدة الحر فاجتمعوا تحتها، ولكن ما ان اكتمل عددهم حتى بدأت الغمامة ترمیهم بالشرر، وجاءت الصیحة وعذاب الظلة من السماء، وزلزلت الارض من تحت أقدامهم فأهلكوا وصاروا من الغابرین عندئذ تأسف علیهم نبی الله شعیب وقال بعد ان تولى عنهم: “یا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربی ونصحت لكم فكیف آسى على قوم كافرین” الآیة رقم 93 من سورة الاعراف.

عندما بعث شعیب كانوا متلبسین بعملین مشینین:

الأول: الاشراك بالله فی العبادة.

الثانی: التطفیف فی المكیال والمیزان، حیث إنهم كانوا اذا وزنوا للناس او كالوا یخسرون فیهما، واذا وزنوا او كالوا لأنفسهم زادوا فی المیزان والمكیال، ولیس بعد هذا جور أبدا.

2- الصلاة لیست معروفة فی الاسلام فقط بل حتى الدیانات او الأمم الاخرى عرفت الصلاة، بدلیل ان قوم شعیب قالوا لشعیب أصلاتك تأمرك ان نترك ما یعبد آباؤنا او ان نفعل فی أموالنا ما نشاء؟

وبالمناسبة هذه الشهادة من أهل مدین بجدوى الصلاة فی بتر جذور المنكر، تعزز الآیة الكریمة التی تقول: ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغی، فالذی أمرت به أمة محمد أمر به من قبلها أیضا.

3 برزت فی مهمة نبی الله شعیب مع قومه مشكلة المال ومحاربة الفساد، فشعیب جاء لیطهر المجتمع من الامراض الاجتماعیة التی هی من قبیل الكذب والغش والتطفیف فی المكیال والمیزان، لأن كل هذه من أكل أموال الناس بالباطل.

ولكن قوم شعیب اعتبروا شعیبا خارجا علیهم جاء لیحد من حریاتهم الشخصیة، فلو تركوه یمضی فی طریقه الاصلاحی هذا فإنهم سوف یخسرون المال والجاه والمنصب، كیف لا وقد تعودوا ان یظلموا الضعفاء ویستعلوا علیهم بقوة سلطانهم؟


قارون

1387/08/24 06:10 ب.ظ
الارشیف الیومی:القصص القرانیة، 

 

 

                                 قارون

إِنَّ فِی ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِی ٱلأَبْصَارِ


لَقَدْ كَانَ فِی قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِی ٱلأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِیثاً یُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِیقَ ٱلَّذِی بَیْنَ یَدَیْهِ وَتَفْصِیلَ كُلِّ شَیْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ


نَحْنُ نَقُصُّ عَلَیْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَیْنَآ إِلَیْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِینَ

ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِینَ كَذَّبُواْ بِآیَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ یَتَفَكَّرُونَ

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَیْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَیْنَآ إِلَیْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِینَ

وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَیْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِی هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِینَ



كان قارون من بنی إسرائیل وهو ابن عم سیدنا موسى علیه السلام، وقد رزقه الله تعالى سعة فی الرزق، وكثرة فی الأموال حتى فاضت بها خزائنه، فلم یعد یستطیع حمل مفاتیحها مجموعة من الرجال الأقویاء، وكان یعیش بین قومه عیشة الترف، .
لكن قارون لم یكن عبدا شكورا
ویروى أنه عندما أنزلت فرضیة الزكاة على سیدنا موسى علیه السلام أخبر قومه بما یجب علیهم وقال لقارون مذكرا إیاه بتقوى الله وحقه علیه أن على كل ألف دینار دینارا، وعلى كل ألف درهم درهما، فحسب قارون ما یترتب علیه من الزكاة فاستكثره، فشحت نفسه فكفر

ثم جمع قارون بعض من یثق بهم من أتباعه وقال لهم: إن موسى أمركم بكل شئ فأطعتموه، وهو الآن یرید أخذ أموالكم، فقالوا له: مرنا بما شئت.
قال: ءامركم أن تحضروا سبرتا العاصیة فتجعلوا لها أجرة على أن تزعم أن موسى أراد الزنى بها، والعیاذ بالله تعالى، ففعلوا ذلك وأرسلوا لها طستا من ذهب مملوءًا قطعا ذهبیة.
فلما كان یوم عید لهم أتى قارون لعنه الله إلى سیدنا موسى علیه السلام متظاهرا بالود فقال له: إن قومك قد اجتمعوا لك لتأمرهم وتنهاهم، فخرج إلیهم نبی الله موسى علیه السلام فقال لهم: من سرق قطعنا یده، ومن زنى وهو غیر متزوج جلدناه وإن تزوج وزنى رجمناه حتى یموت.
فقال له قارون: وإن كنت أنت؟

قال موسى: أعوذ بالله منك، إننی لا أقرب هذه الفواحش.
فقال له قارون: إن بنی إسرائیل یزعمون أنك فجرت بسبرتا، فقال علیه السلام: ادعوها، فلما جاءت استحلفها موسى علیه السلام بالله الذی فلق البحر وأنزل التوراة أن تصدق، فتداركها الله تعالى برحمته فتابت وتبرأت مما نسبوا إلى موسى وقالت: كذبوا، بل جعل لی قارون أجرة على أن أتهمك بالزنى، فسجد موسى علیه السلام ودعا الله على من ظلمه فأوحى الله تعالى إلیه: مر الأرض بما شئت فإنها مطیعة لك.
وفی الیوم التالی خرج قارون كعادته فی موكب كبیر یضم ءالاف الخدم والحشم وقد تزینت ثیابهم بالذهب والجواهر وركبوا على بغالهم وأفراسهم وهو یتقدمهم على بغلة شبهاء زینها وقد ارتدى أجمل ثیابه وأفخرها مزهوا بنفسه متطاولا، والناس على الجانبین ینظرون إلیه بدهشة ومنهم من اغتر به فقال: هنیئا لقارون إنه ذو حظ عظیم، مال وجاه.
فلما سمعهم بعض الصالحین من قومهم نصحوهم أن لا یغتروا بزهرة الدنیا فإنها غرارة.
وقیل إن قارون مر فی مسیره على مجلس لسیدنا موسى علیه السلام فأوقف الموكب وخاطبه قائلاً: یا موسى أما لئن كنت فضلت علی بالنبوة فلقد فضلت علیك بالمال، ولئن شئت فاخرج فادع علی وأدعو علیك، فخرج سیدنا موسى علیه السلام ثابت القلب متوكلا على ربه سبحانه وتعالى، وبدأ قارون بالدعاء فلم یتستجب له، ودعا سیدنا موسى وقال: اللهم مر الأرض فلتطعنی الیوم، فاستجاب الله له، فقال موسى، یا أرض خذیهم، فأخذت الأرض قارون الملعون ومن معه من أتباعه الخبثاء إلى أقدامهم ثم قال: یا أرض خذیهم، فأخذتهم إلى ركبهم ثم إلى مناكبهم ثم قال: أقبلی بكنوزه وأمواله، فاهتزت الأرض تحت داره وما فیها من أموال، ثم أشار موسى علیه السلام بیده فقال: یا أرض خذیهم فابتلعتهم جمیعاً. ولما حل بقارون ما حل من خسف الأرض وذهاب الأموال وخراب الدار وخسفها، ندم من كان تمنى مثل ما أوتی وشكروا الله تعالى الذی لم یجعلهم كقارون طغاة متجبرین متكبرین فیخسف بهم الأرض.

ورد ذكر قارون فی سورة العنكبوت، وغافر، وورد ذكر القصة بتفصیل أكثر فی سورة القصص الآیات 76-82.

إن قارون كان من قوم موسى فبغى علیهم وآتیناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة اولی القوة " والعصبة ما بین العشرة إلى خمسة عشر قال : كان یحمل مفاتیح خزائنه العصبة اولی القوة ، فقال قارون كما حكى الله : " إنما اوتیته على علم عندی " یعنی ماله ، وكان یعمل الكیمیاء ، فقال الله : " أولم یعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا یسئل عن ذنوبهم المجرمون " أی لا یسأل من كان قبلهم عن ذنوب هؤلاء " فخرج على قومه فی زینته " قال : فی الثیاب المصبغات یجرها بالارض " فقال الذین یریدون الحیوة الدنیا یا لیت لنا مثل ما اوتی قارون إنه لذو حظ عظیم " فقال لهم الخاص من أصحاب موسى علیه السلام : " ویلكم ثواب الله خیر لمن آمن وعمل صالحا ولا یلقاها إلا الصابرون * فخسفنا به وبداره الارض فما كان له من فئة ینصرونه من دون الله وما كان من المنتصرین * وأصبح الذین تمنوا مكانه بالامس یقولون ویكأن الله " قال : هی لغة سریانیة " یبسط الرزق لمن یشاء من عباده ویقدر لولا أن من الله علینا لخسف بنا ویكأنه لا یفلح الكافرون " .
وكان سبب هلاك قارون أنه لما أخرج موسى بنی إسرائیل من مصر وأنزلهم البادیة أنزل الله علیهم المن والسلوى وانفجر لهم من الحجر اثنا عشرة عینا بطروا وقالوا : " لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك یخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال لهم موسى أتستبدلون الذی هو أدنى بالذی هو خیر اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم " فقالوا كما حكى الله : " إن فیها قوما جبارین وإنا لن ندخلها حتى یخرجوا منها " ثم قالوا لموسى : " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون " ففرض الله علیهم دخولها وحرمها علیهم أربعین سنة یتیهون فی الارض ، فكانوا یقومون من أول اللیل ویأخذون فی قراءة التوراة والدعاء والبكاء ، وكان قارون منهم ، وكان یقرء التوراة ولم یكن فیهم أحسن صوتا منه ، وكان یسمى الم ؟
ون لحسن قراءته ، وقد كان یعمل الكیمیاء ، فلما طال الامر علی بنی إسرائیل فی التیه والتوبة وكان قارون قد امتنع أن یدخل معهم فی التوبة وكان موسى یحبه فدخل إلیه موسى فقال له : یا قارون قومك فی التوبة وأنت قاعد ههنا ادخل معهم وإلا نزل بك العذاب ، فاستهان به واستهزأ بقوله ، فخرج موسى من عنده مغتما فجلس فی فناء قصره وعلیه جبة شعر ، ونعلان من جلد حمار شراكهما من خیوط شعر ، بیده العصا ، فأمر قارون أن یصب علیه رماد قد خلط بالماء ، فصب علیه ، فغضب موسى غضبا شدیدا ، وكان فی كتفه شعرات كان إذا غضب خرجت
من ثیابه وقطر منها الدم ، فقال موسى : یا رب إن لم تغضب لی فلست لك بنبی ! فأوحى الله إلیه قد أمرت السماوات والارض أن تطعك فمرهما بما شئت ، وقد كان قارون أمر أن یغلق باب القصر ، فأقبل موسى فأومأ إلى الابواب فانفرجت ودخل علیه ، فلما نظر إلیه قارون علم أنه قد اوتی بالعذاب ، فقال : یا موسى أسألك بالرحم التی بینی وبینك ، فقال له موسى : یا ابن لاوی لا تردنی من كلامك ، یا أرض خذیه ، فدخل القصر بما فیه فی الارض ، ودخل قارون فی الارض إلى الركبة فبكى وحلفه بالرحم ، فقال له موسى : یا ابن لاوی لا تردنی من كلامك ،یا أرض خذیه ، فابتلعته بقصره وخزائنه ، وهذا ما قال موسى لقارون یوم أهلكه الله ، فعیره الله بما قاله لقارون ، فعلم موسى أن الله قد عیره بذلك ، فقال : یا رب إن قارون دعانی بغیرك ، ولو دعانی بك لاجبته ، فقال الله : یا ابن لاوی لا تردنی من كلامك ، فقال موسى : یا رب لو علمت أن ذلك لك رضى لاجبته ، فقال الله تعالى : یا موسى وعزتی وجلالی وجودی ومجدی وعلو مكانی لو أن قارون كما دعاك دعانی لاجبته ، ولكنه لما دعاك وكلته إلیك ، یا ابن عمران لا تجزع من الموت فإنی كتبت الموت على كل نفس ، وقد مهدت لك مهادا لو قد وردت علیه لقرت عیناك ، فخرج موسى إلى جبل طور سیناء مع وصیه ، فصعد موسى الجبل فنظر إلى رجل قد أقبل ومعه مكتل ومسحاة ، فقال له موسى : ما ترید ؟
قال : إن رجلا من أولیاء الله قد توفی فأنا أحفر له قبرا ، فقال له موسى : أفلا اعینك علیه ؟
قال : بلى ، قال : فحفرا القبر فلما فرغا أراد الرجل أن ینزل إلى القبر ، فقال له موسى : ما ترید ؟
قال : أدخل القبر فأنظر كیف مضجعه ؟
فقال موسى : أنا أكفیك ، فدخله موسى فاضطجع فیه فقبض ملك الموت روحه وانضم علیه الجبل . (1)
------------
كان بنو إسرائیل یقیمون فى مصر منذ دخلوها مع أبیهم یعقوب فى عهد یوسف علیه السلام ،وكانوا یترفّعون على الشعب المصری لأنهم یرون أنفسهم شعب الله المختار.
كره المصریون ذلك وتضایق فرعون مصر، فاضطهدهم وسخرهم فى الأعمال الشاقة حتى انكسرت نفوسهم.
وفى جیل من أجیال بنی إسرائیل ،نشأ شاب حسن الصورة قوی البدن ،واسع الحیلة اسمه قارون ،كان لا یفكر إلا فى نفسه وتحقیق أغراضه ،فظل یتودد إلى فرعون حتى أصبح من المقربین له ومنحه فرعون أرض ومال، وبذلك صار كبیراً فى قومه ،وكان یدعوهم للرضا بوضعهم وتقبّل ما هم فیه. فى هذا الوقت نشأ سیدنا موسى علیه السلام -وهو أیضاً من بنى إسرائیل -نشأفى قصر فرعون ، وكان یعمل لقومه ولا یهتم بنفسه ،وكان غاضباً لما یصیب قومه من ذل ،ولقد رأى یوماً مصریاً وإسرائیلیاً یقتتلان ،فاستغاثه الإسرائیلی على المصری فضرب موسى المصری فقتله.وفى الیوم التالی تكرر ما حدث مع مصری آخر وعلم فرعون بأمر موسى فاتفق مع رجال دولته على قتله ،ولكن الله سبحانه وتعالى أرسل إلیه رجلاً نصحه بالخروج من المدینة فتركها متجهاً إلى (مدین).
وكان قارون فى ذلك الوقت یجبر بنو إسرائیل على العمل فى أرضه، وكان ماهراً فى الزراعة والتجارة مهارة فائقة ،فاتسعت أعماله وزادت أعبائه، فآتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنؤ بالعصبة أولی القوة واقتنى من الأموال بكده وعمله ما یعجز الرجال الأشداء عن تحصیل مثله.
حتى جاء یوم وعاد موسى إلى المدینة مرة أخرى وبدأ بتجمیع الناس حوله وحثهم على إستعادة حقوقهم ،فاجتمع قارون وفرعون وهامان وزیر فرعون وقرروا مقاومة موسى.أما فرعون فجمع الناس وقال لهم :ما علمت لكم إله غیری.ألیس لی مُلك مصر وهذه الأنهار تجری من تحتی ؟
وأما قارون فجمع بنو إسرائیل وطلب رأیهم فمنهم من قال أن موسى یدعونا لترك مصر بخیراتها لنعود إلى فلسطین بقحطها ،وقال ثانٍ :أن فى فلسطین قوم جبارین فهل نخرج من ذل إلى ذل؟ ثم ظهر شاب متحمس فقال :یا قوم إن موسى یدعوكم إلى دین أبیكم إبراهیم وأنتم تؤثرون وثنیة فرعون، إنما یرید لكم الكرامة .هاج قارون على الشاب ولكن أحد أتباعه هدأه، وقال له إن أتباع موسى هم بعض الشباب المخدوعین ببریق الحریة، وعاهدوه على العمل معه.
أثناء عودته من قصر فرعون، صادف أن قابل قارون موسى ،فخاف قارون من هیبة موسى ،فطلب منه موسى أن یعطی جزء من ماله كزكاة إذا كان فعلاً محباً لأهله من بنو إسرائیل ،ومن شدة جبنه وافق قارون، حتى ذهب موسى ثم بدل رأیه، بل وجمع أغنیاء بنو إسرائیل وقال لهم أن موسى یرید أخذ أموالهم وتفریقها على أعوانه ، فاتفقوا على عدم دفع الزكاة ،فأرسل موسى بعض الصلحاء إلى قارون لیعظوه وقالوا له أنه نبی الله ولكنه قال لهم إنه لیس نبی وإنما هو ساحر.فحاولوا معه مرة أخرى ولكنه اغتاظ من موسى وبحث عنه فوجده یقف مع عدد كبیر من أتباعه یریدون أن یخرجوا معه من مصر ،فقرر قارون أن یخرج إلیهم فی أبهى موكب بالخیول والزینة وحوله العبید .فلما رآه الناس أنقسموا فریقین : فریق فتن بتلك الزینة وقالوا :یا لیت لنا مثل ما أوتی قارون !والله إنه لذو حظ عظیم .أما العقلاء فلم یغترّوا بما رأوا وقالوا ثواب الله خیرٌ لمن آمن وعمل صالحاً ولا یلقاها إلا الصابرون.
واختلط الفریقان فتركهم قارون وهو فرح بهذا الفساد الذی أحدثه.
"فخرج على قومه فى زینته قال الذین یریدون الحیاة الدنیا یا لیت لنا مثل ما أوتی قارون إنه لذو حظ عظیم..وقال الذین أوتوا العلم ویلكم ثواب الله خیرٌ لمن آمن وعمل صالحاً ولا یلقّاها إلا الصابرون..فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ینصرونه من دون الله وما كان من المنتصرین."

عاد الناس مرة أخرى للإلتفاف حول موسى فعاد الحقد إلى قارون وفكر فى مؤامرة جدیدة.فأحضر إمرأة فاسدة وطلب منها أن تخرج للناس فتسئ إلى موسى ،فثار الناس، ولكن سیدنا موسى رفع یدیه إلى السماء ودعى الله أن یتوب علیها لتشهد بالحق .فما سمعت المرأة الدعوة حتى أحست كأن نوراً أضاء قلبها فاعترفت بما اتفقت علیه مع قارون فهاج علیه الناس حتى سقط مغشیاً علیه .
"یا أیها الذین آمنوا لا تكونوا كالذین آذوا موسى فبرّأه الله مما قالوا وكان عند الله وجیهاً."
دعا موسى ربه أن یخسف الأرض بقارون وداره وأمواله فاستجاب الله له وأصبح الذین تمنوا مكانه بالأمس یقولون :ویكأن الله یبسط الرزق لمن یشاء من عباده ویقدر.
"إن قارون كان من قوم موسى فبغى علیهم وآتیناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنؤ بالعصبة أولى القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا یحب الفرحین. "


بقرة بنی اسرائیل

1387/08/24 06:08 ب.ظ
الارشیف الیومی:القصص القرانیة، 

 

بقرة بنی إسرائیل

قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ یَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِینَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ یُبَیِّنْ لَنَا مَا هِیَ قَالَ إِنَّهُ یَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَیْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ یُبَیِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ یَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِینَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ یُبَیِّنْ لَنَا مَا هِیَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَیْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ یَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِیرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِی الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِیَةَ فِیهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا یَفْعَلُونَ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِیهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ یُحْیِی اللَّهُ الْمَوْتَى وَیُرِیكُمْ آیَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .
مكث موسى فی قومه یدعوهم إلى الله. وتبدو لجاجتهم وعنادهم فیما یعرف بقصة البقرة. فإن الموضوع لم یكن یقتضی كل هذه المفاوضات بینهم وبین موسى، كما أنه لم یكن یستوجب كل هذا التعنت.

كان رجل فی بنی إسرائیل كثیر المال، وكان شیخا كبیرا وله بنو أخ وكانوا یتمنون موته؛ لیرثوه فعمد أحدهم فقتله فی اللیل، وطرحه فی مجمع الطرق ویقال: على باب رجل منهم. فلما أصبح الناس اختصموا فیه، وجاء ابن أخیه فجعل یصرخ ویتظلم فقالوا: ما لكم تختصمون ولا تأتون نبی الله، فجاء ابن أخیه فشكى أمر عمه إلى رسول الله موسى علیه السلام، فقال موسى علیه السلام: أنشد الله رجلا عنده علم من أمر هذا القتیل إلا أعلمنا به. فلم یكن عند أحد منهم علم ، وسألوه أن یسأل فی هذه القضیة ربه عز وجل، فسأل ربه عز وجل فی ذلك فأمره الله أن یأمرهم بذبح بقرة، فقال: إِنَّ اللَّهَ یَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا یعنون؛ نحن نسألك عن أمر هذا القتیل وأنت تقول هذا. قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِینَ أی؛ أعوذ بالله أن أقول عنه غیر ما أوحى إلی. وهذا هو الذی أجابنی حین سألته عما سألتمونی عنه أن أسأله فیه. قیل فلو أنهم عمدوا إلى أی بقرة فذبحوها لحصل المقصود منها، ولكنهم شددوا فشدد الله علیهم. ، فسألوا عن صفتها ثم عن لونها ثم عن سنها فأجیبوا بما عز وجوده علیهم، وقد ذكرنا فی تفسیر ذلك كله فی "التفسیر".
والمقصود أنهم أمروا بذبح بقرة عوان؛ وهی الوسط بین النصف الفارض وهی الكبیرة والبكر وهی الصغیرة. . ثم شددوا وضیقوا على أنفسهم فسألوا عن لونها فأمروا بصفراء فاقع لونها أی مشرب بحمرة تسر الناظرین، وهذا اللون عزیز. ثم شددوا أیضا فقالوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ یُبَیِّنْ لَنَا مَا هِیَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَیْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ

: لولا أن بنی إسرائیل استثنوا لما أعطوا وفی صحته نظر والله أعلم. قَالَ إِنَّهُ یَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِیرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِی الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِیَةَ فِیهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا یَفْعَلُونَ وهذه الصفات أضیق مما تقدم حیث أمروا بذبح بقرة لیست بالذلول وهی المذللة بالحراثة وسقى الأرض بالسانیة مسلمة وهی الصحیحة التی لا عیب فیها. وقوله: لَا شِیَةَ فِیهَا أی؛ لیس فیها لون یخالف لونها بل هی مسلمة من العیوب ومن مخالطة سائر الألوان غیر لونها، فلما حددها بهذه الصفات وحصرها بهذه النعوت والأوصاف قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ویقال: إنهم لم یجدوا هذه البقرة بهذه الصفة إلا عند رجل منهم كان بارا بأبیه فطلبوها منه فأبى علیهم فأرغبوه فی ثمنها حتى -أعطوه فیما ذكر السدی- بوزنها ذهبا فأبى علیهم حتى أعطوه بوزنها عشر مرات فباعها منهم فأمرهم نبی الله موسى بذبحها فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا یَفْعَلُونَ أی؛ وهم یترددون فی أمرها. ثم أمرهم عن الله أن یضربوا ذلك القتیل ببعضها، قیل: بلحم فخذها. وقیل: بالعظم الذی یلی الغضروف. وقیل: بالبضعة التی بین الكتفین، فلما ضربوه ببعضها أحیاه الله تعالى فقام وهو تشخب أوداجه، فسأله نبی الله: من قتلك؟ قال قتلنی ابن أخی. ثم عاد میتا كما كان، قال الله تعالى: كَذَلِكَ یُحْیِی اللَّهُ الْمَوْتَى وَیُرِیكُمْ آیَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أی؛ كما شاهدتم إحیاء هذا القتیل عن أمر الله له، كذلك أمره فی سائر الموتى، إذا شاء إحیاءهم أحیاهم فی ساعة واحدة، كما قال: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ الآیة"

 


موسى بن عمران - ع -

1387/08/24 06:04 ب.ظ
الارشیف الیومی:القصص القرانیة، 

 

 

موسى (علیه السلام)

كان یوسف (علیه السلام) ملكاً فی مصر، وقد جمع بین النبوّة، والملوكیة، فكان ینظّم أمر الناس على وفق العدل والحكمة.وحین حضرته الوفاة جمع آل یعقوب، وهم ثمانون رجلاً.. فقال لهم: إنّ هؤلاء القبط سیظهرون علیكم ویكون الملك للكافرین ویصبح المؤمن فی هذه البلاد ذلیلاً بأیدیهم.. ویسومونكم سوء العذاب. وإنما ینجّیكم الله من أیدیهم، برجل من ولد (لاوی) بن (یعقوب) اسمه: موسى بن عمران.وبعدما أخبر یوسف بنی إسرائیل بهذا الخبر، حزنوا لما یتوقعونه من البلاء، وفرحوا بما ینتظرونه من الفرج على ید نبیّ من بنی أبیهم.. ومات یوسف (علیه السلام).فملك بعده رجلاً لا یسیر سیرة یوسف فی كل كبیر وصغیر.. ثم مات الملك..وملك بعده رجل آخر، وكان عاتیاً فاجراً.. وهكذا أقام بنو إسرائیل، بعد وفاة یوسف، وقد كثروا، وانتشروا، متمسّكین بدین آبائهم یوسف، ویعقوب، وإسحاق وإبراهیم (علیهم السلام).حتى زمان الملك فرعون.. وهذا الملك الطاغی فتح لمصر صفحة جدیدة من الطغیان والإرهاب، وخصّص لبنی إسرائیل ألواناً من العذاب والنكال.كان بنو إسرائیل ینتظرون مقدم موسى (علیه السلام) لینجّیهم من طغیان فرعون وقسوته. وكان كلّما ولد لأحدهم مولود سموه عمراناً.. فإذا كبر عمران، سمّى ولده موسى رجاءً لأن یكون هو الذی وعد به یوسف (علیه السلام) حین حضرته الوفاة ولكن خابت الظنون، فلم یكن موسى الموعود أحدهم.واغتنم بعض متطلبی الرئاسة هذا الوعد، فجعل من نفسه موسى النبیّ! حتى ادّعى خمسون من بنی إسرائیل انهم هم الذین وعدهم یوسف، وكلّهم یدّعی أنه ینزل علیه الوحی، وانه هو مخلص بنی إسرائیل، كذباً وافتراءً!ولم یزل فرعون یسمع هذه الأخبار عن بنی إسرائیل وكان قد علم أن بنی إسرائیل یرجفون به ویطلبون هذا الغلام. فاستشار كهنته وسحرته فی هذا الأمر المهم.قالوا: إن المسموع صحیح، وهلاك دینك وقومك على یدی هذا الغلام.وحدّدوا وقت ولادة الغلام بعامِ مخصوص. وهنا ثار ثائر فرعون، وجعل یخبط خبط العشواء للظفر بهذا الذی سیولد، مما یكون بیده هلاكه وتقضی أیامه!! أما كیف یصنع؟ وكیف یظفر على هذا المولود فهو سر مغلق، لا تساعده حیلته على ذلك!!وأخیراً ارتأى أبشع الآراء، وقرّر تنفیذه بكل صرامةٍ وقسوةٍ. جعل القوابل على النساء، فی ذلك العام الذی أخبر بولادة موسى فیه وأمر بأن یذبح كل غلام یولد فی ذلك العام، لیستریح من موسى من أوّل أمره.وعجّ بنو إسرائیل من هذا الحكم الإجرامیّ واجتمع بعضهم إلى بعض لحلّ المشكلة. وكان فیهم عمران والد النبی موسى (علیه السلام).فقال بعضهم: إذا ذبح الغلمان واستحیى النساء هلكنا ولم یبق لنا نسبٌ، فمن الرأی أن لا ینكح رجالنا نساءنا حتى لا یولد لنا مولود.. وبذلك ننقرض جمیعاً، أما أن تبقى البنات ویذبح الأولاد فمعنى ذلك: أن نقدّم بناتنا إلى آل فرعون غنیمة باردة. لكنّ عمران أبى هذا الرأی.. وقال: أمر الله واقعٌ ولو كره المشركون.وقد أصرّ فرعون فی تعذیب بنی إسرائیل، وقتل أطفالهم، حتى قتل من أطفال بنی إسرائیل نیفاً وعشرین ألف مولود. بالإضافة إلى ما كان یأمر به من تعذیب الرجال والنساء. وقد كان من صنوف تعذیبه أن أمر بتقیید أرجلهم لئلا یفرّوا.. ثم كان یستعملهم فی البناء، فكانوا ینقلون الطین على السلالم إلى السطوح، بأرجل مقیدة.. وكثیراً ما كانوا یقعون من السلّم فیموتون أو یزمنون، أو یصابون بصنوف الرض والكسر والتشویه.وفی مثل هذا الوقت.. وفی هذا الجوّ الخانق تعذیباً وإرهاباً.. حملت أمّ موسى.. فوكل بها فرعون قابلةً تترقّب ولادتها، فإن كان الولد ذكراً ذبحه وإن كانت أُنثى استحیاها.. وألحت القابلة فی حراستها، فإذا قامت الأم قامت القابلة فی إثرها، وإذا جلست جلست القابلة إزاءها لئلا یفوتها زمنٌ من حالها.لكنّ الله تعالى شاء أن تنقلب القابلة عن هذه الصرامة، فأحبّت أُمّ موسى حباً كبیراً، لما رأت فیها من الأخلاق الفاضلة والأدب الرفیع. أما الأُمّ فقد أخذها الخوف، وظهر على ملامحها فشحب وجهها ومال إلى الاصفرار.قالت القابلة یوماً لأُمّ موسى: یا بنیة، ما لك تصفرّین وتذوین؟ فأجابت الأمّ قائلة: لا تلومینی، كیف لا أخاف انّه إذا ولدت أخذ الولد وذبح!لكن القابلة سلّتها، وقالت: لا تحزنی، فإنی سوف اكتم علیك.أما الأم فقد ظلّت فی شك من هذا الوعد، إلى أن ولدت بموسى (علیه السلام)، وكانت القابلة حاضرة حین الولادة، فالتفتت إلیها أُمّ موسى، وملء نظرها استعطاف واستیفاء للوعد.. وفوّضت أمرها إلى الله قائلةً: ما شاء الله، وانتظرت أمر القابلة.ولما أن سمع الناس ولولة الطلق، ذهبوا یخبرون الحرس الملكی، الذین وكّلوا بذبح الأطفال، فحضروا باب البیت، وتحیّرت القابلة فی الأمر، ماذا تجیب الحرس؟ وكیف تنقض عهداً عهدته إلى الأمّ المحببة إلیها؟لكنها أخیراً، توجّهت إلى الأمً قائلة: إنی سوف اكتم علیك، كما وعدتك فلا تخافی، وحملت الأم والولد فأدخلتها المخدع، وأصلحت بعض أمرها، ثم خرجت إلى الحرس قائلة: انصرفوا، فانّه خرج دم منقطع. فانصرف الحرس، واطمأنت الأمّ، وجزت القابلة خیراً.وهكذا شاء الله تعالى أن یخلّص نبیّه العظیم موسى (علیه السلام) من براثن فرعون المجرم، وحرسه القساة (وأوحینا إلى أمّ موسى أن أرضعیه) فأرضعت الأمّ ولدها الحبیب، بكلّ لهفةٍ وحنان. لكنّها خافت أن یبكی موسى، فیعرف الجیران خبرها، فتقع فیما فرّت منه.فألهمها الله تعالى أن (..إذا خفت علیه فألقیه فی الیمّ ولا تخافی ولا تحزنی..) فصنعت أُمّ موسى تابوتاً من خشب، ووضعت ابنها الحبیب فیه، وطبقت التابوت بحیث لا یدخل فیه الماء وذهبت لیلاً إلى الماء. ثم طرحت التابوت فی النیل، وقلبها ممتلئ كآبةً وحزناً.لكن الماء أبى أن یفرّق بین الوالدة الحزینة والولد الحبیب، فجعلت الأمواج تدفع التابوت إلى الجرف.. والوالدة تدفع التابوت إلى الغمر، خوفاً وحزناً! إلى أن ضربت الریح التابوت نحو مجرى الماء، فانطلق به.لكن الأم كیف تصبر؟ فهمّت أن تصیح لوعةً وشجناً، فربط الله على قلبها، وحفظها (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتبدى به لولا أن ربطنا على قلبها). ووعد الله الأم أن یرد الولد إلیها، وبشّرها بأن یجعله من المرسلین (إنّا رادّوه إلیك وجاعلوه من المرسلین).التابوت ینطلق فی الماء، حسب لهب الریح ومجرى الماء.. والولد یكلأه الله بلطفه ورعایته فی جوف الصندوق.. والأم أخذت ترجع إلى البیت بقلبٍ والهٍ وأن لمس شیئاً من الهدوء والاطمئنان تصدیقاً بوعد الله.كانت لفرعون امرأةً صالحة تسمى (آسیة) من قبیلة بنی إسرائیل، وكانت تخالف زوجها فی العقیدة والرأی، لكنّها كانت تسرّ معتقدها، خوفاً من سطوة فرعون الجبار الطاغی.وأتت أیام الربیع فقالت آسیة لفرعون: هذه أیام الربیع فأمر لی بضرب قبّة على النیل لكی أتنزّه فی هذه الأیام الجمیلة. فأمر فرعون بضرب قبةٍ لها على الشطّ، وخرجت هی مع لمّةٍ من جواریها.وبینما الجواری على الماء.. إذ رأین الأمواج تعلو وتهبط بشیء، ورأت آسیة الصندوق فی وسط الغمر، فقالت للجواری: ما ترین؟ قلن: یا سیدتنا، إنا لنرى شیئاً كما ترین.. وأتى الماء بالصندوق إلى القرب منهن، فاندفعن فی الماء حتى أخذنه، وقد كاد أن ینفلت من أیدیهن.فتحت آسیة الصندوق، وإذا فیه طفل جمیل كفلقة القمر، فأوقع الله فی قلبها محبة منه (ألقیت علیك محبة منی) ووضعت الولد فی حجرها، وتفكّرت فی أن تتخذه ابناً لها.. فأعلمت الجواری، وقالت: هذا ابنی.. وأقرّتها الجواری بهذا التبنّی المیمون.فقلن: أی والله، أی سیّدتنا، ما لك ولدٌ ولا للملك ـ یقصدن فرعون ـ فاتّخذیه ولداً.قامت آسیة إلى فرعون.. فقالت له: إنی أصبت غلاماً طیّباً حلواً، نتّخذه ولداً، فیكون قرّة عین لی ولك، فلا تقتله.قال فرعون: ومن أین هذا الغلام؟قالت آسیة: لا والله ما أدری، إلا أن الماء جاء به..لكن فرعون أبى أن یقبل قولها.. وهمّ أن یقتله، لما توجس خیفة، من أن یكون الولد من بنی إسرائیل.. فألحّت آسیة فی الإصرار، وشفعت شمائل الولد الحلوة، فی قبول فرعون تبنّی الولد.. وسمّاه (موسى) لأنه التقط من الماء.

ولما سمع الناس أن الملك قد تبنّى ابناً.. أرسل كبراء الناس نساءهم إلى آسیة لتكون لموسى علیه السلام ظئراً ومربیة.. وكلما تقدّمت النساء إلى موسى، لتلقمه ثدیها، أعرض عن الثدی، فتحیّرت آسیة فی أمره.. ماذا تصنع به؟

ثم أمرت جواریها أن یطلبن كلّ امرأة مرضعة أو ذات لبن، ولا یحقرن أحداً كیف ما كان شأنها ومنزلتها فلعل موسى یقبل إحداهن.. أما أم موسى فقد كانت تترقب الأخبار عن ولدها. إذ أنها لم تعلم ما صنع به فی النیل! لكنّها لم تظفر بخبر صحیح عن ولدها..

فقالت لابنتها ـ أخت موسى ـ : قصیه وانظری أترین لأخیك من أثر.. فانطلقت البنت تفحص عن موسى الرضیع هنا وهناك، لكنّها لم تقع على خبر؟!

وانتهى بها السیر إلى باب دار الملك (فرعون) ودخلت الدار فیمن دخل.. وإذا بها ترى موسى أخاها فی حضن آسیة.. وقد التمست النساء لإرضاعه، لكنّه یأبى عن قبول لبنهن، وذلك بمشیئة من الله تعالى (وحرّمنا علیه المراضع من قبل).

توجّهت البنت الزكیّة إلى امرأة فرعون قائلة: قد بلغنی أنكم تطلبون ظئراً.. وهنا امرأة صالحة تأخذ ولدكم، وتكفله لكم.

قالت بعض النساء: یظهر أن هذه البنت تعرف أم الغلام وإلا فمن أین لها بالظئر!

أجابت البنت الفطنة: أردت نصحكم.. فإنی اعرف امرأة مرضعةً، وإن لم تحبوا أن آتی بها فلا ضیر.

لكن آسیة أمرت بأن تأتی بالمرضعة، فلعل موسى یقبل ثدیها. فركضت البنت إلى أمّها تبشرها بالخبر.. وتبعتها الأمّ إلى دار فرعون. فلمّا دخلت الدار..

قالت آسیة: ممن أنت؟

قالت الأم: من بنی إسرائیل.

قالت آسیة: اذهبی یا بنیّة، فلیس لنا فیك حاجة.

توجهت النساء إلى آسیة قائلات: انظری یا آسیة هل یقبل الطفل الثدی أو لا یقبل؟

فقالت امرأة فرعون: أرأیتم لو قبل.. هل یرضى فرعون أن یكون الغلام من بنی إسرائیل والمرأة ـ تعنی الظئر ـ من بنی إسرائیل؟ إن فرعون لا یرضى بذلك أبداً.

قالت النساء: فانظری یقبل أو لا یقبل؟

وقد كانت أُمّ موسى خرجت من عند آسیة عندما قالت لها اذهبی یا بنیّة.. فأرسلت آسیة ـ بعض الجواری ـ علیها لترجع. فركضت أخت موسى، إلى أمّها تخبرها بالبشارة قائلة: إن امرأة الملك تدعوك.. فأتت الأم فرحة، ودخلت على آسیة.

فدفعت آسیة الولد إلیها، والنسوة ینظرن، أخذت الأمّ ولدها، ووضعته فی حجرها، ثم ألقمته ثدیها، وإذا بموسى یقبل على المصّ إقبالاً عظیماً واللّبن یجری فی فمه. فرحت آسیة.. وفرحت النسوة.. وفرحت الأمّ فرحاً كبیراً. قامت آسیة إلى فرعون، تخبره الخبر، وتستأذنه فی أمر الظئر الإسرائیلیة.

فقالت: إنّی قد أصبت لابنی ظئراً، وقد قبل منها الرضاع.

قال فرعون: وممن هی؟

قالت آسیة: من بنی إسرائیل!

قال فرعون: هذا مما لا یكون أبداً: الغلام من بنی إسرائیل! والظئر من بنی إسرائیل!

فلم تزل آسیة تلحّ علیه، وتستعطفه فی أمر الغلام وتقول له: وماذا تخاف؟ إنّ الغلام ابنك وینشأ فی حجرك.. فهل تراه یبارزك ویخاصمك؟ هذا مما لا یكون.

حتى قبل فرعون، ورضی بالظئر الإسرائیلی (فرددناه إلى أمّه كی تقر عینها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا یعلمون).

فنشأ موسى فی حضن فرعون وداره، فی عز واحترام، بینما كان فرعون وجلاوزته یقتلون أولاد بنی إسرائیل، خوفاً من أن ینشأ فیهم من أخبر المنجّمون بأنّ زوال ملك فرعون بیده.

وهكذا شاء الله أن یربی نبیه العظیم، فی حضن أعدى أعدائه (فالتقطته آل فرعون لیكون لهم عدواً وحزناً).

وقد كتمت القابلة.. والأُمّ.. والأخت.. خبر موسى، ومضى زمانٌ، وأتى زمانٌ، واستغنى موسى عن الرضاع، وماتت الأم، وماتت القابلة، وبقی موسى فی حجر فرعون، یكلأه الله برعایته ویربیه فرعون ینظر إلیه نظر الأب إلى ابنه.

وفی ذات یوم حدث أن موسى ـ وهو غلام صغیر یدرج ـ عطس عطسةً فقال: الحمد لله رب العالمین.

فأنكر فرعون ذلك علیه، ولطمه موسى على وجهه وقال: ما الذی تقول؟ فوثب على لحیة فرعون ـ وكانت طویلة ـ فقلع بعضها! فهمّ فرعون بقتله!

قالت آسیة ـ متشفعةً ـ : إنه غلام حدث ما یدری ما یقول..

فقال فرعون: بلى یدری. قالت آسیة: فامتحنه: ضع بین یدیه تمراً وجمراً، فإن میّز بینهما، فافعل ما ترید.

فأمر فرعون بأن یوضع إزاء موسى طبقاً من تمر وكانوناً من جمر.. فمدّ موسى یده إلى الجمر، ووضعه فی فمه.. فاحترق لسانه ویده، وبكى بكاءً مراً!

فقالت آسیة لفرعون: ألم أقل لك: إنه لا یعقل. فعفا فرعون عنه..

أمّا بنو إسرائیل، الذین كانوا تحت اضطهاد فرعون ونكاله، فقد كانوا منتظرین مقدم موسى، ولكنّهم لم یكونوا یعلمون أنّه قد ولد.. فكانوا یتذاكرون وعد یوسف (علیه السلام)، وینتظرون نبیّهم المخلّص لهم من أیدی الجبارین.. وكانوا یسأل بعضهم بعضاً عن وقت الفرج، لكن.. لم یكونوا یعرفون ذلك بالضبط.

ولما علم فرعون بإلحاحهم فی طلب مخلّصهم زاد فی تعذیبهم، وأمر بأن یفرّق بین رجالهم ونسائهم، كی لا یولد لهم المولود المنتظر. ومنع عن مذاكرة موسى منعاً باتاً، ولم یدر أن موسى فی بیته!

وقد أثّر الضغط الشدید فی بنی إسرائیل، فلم یقدروا على ذكر اسم موسى إلا فی ظلمات اللیل، والخفایا، كی لا یرفع أمرهم إلى الطاغیة فرعون. فخرجوا! ذات لیلة مقمرة إلى كبیر لهم، له علم ومعرفة، یسألونه عن موعد الفرج؟

قالوا للشیخ: قد كنّا نستریح إلى أخبارك من قبل، وكانت بشائرك بالفرج تسری عنّا بعض الهموم. فإلى متى نحن فی هذا البلاء؟ إن فرعون یقتل رجالنا، ویشق بطون نسائنا الحبالى، ویذبح أطفالنا. فمتى الفرج؟

قال الشیخ: إنكم لا تزالون فی البلاء حتى یجیء الله تعالى بغلام من ولد لاوی بن یعقوب.. اسمه موسى بن عمران، غلامٌ طوالٌ جعدٌ. وعند ذلك یكون الفرج.

وبینما هم فی الحدیث، بین یأس ورجاء، إذ طلع علیهم موسى من بعید.. وهو إذ ذاك حدیث السن، وقد خرج من دار فرعون، وهم یزعمون أنه یرید النزهة. لكن موسى كان قاصداً نحو بنی إسرائیل، میمّماً وجهه شطر ذلك الاجتماع المنعقد فی ظلمة اللیل، وقف على القوم، فتوسّم الشیخ فیه الملامح الموعودة.

فقال: ما اسمك یرحمك الله؟

قال: موسى..

قال الشیخ: ابن من؟

قال: ابن عمران.. فانكبّ الشیخ على قدمیه یقبّلهما.

وعرف بنو إسرائیل نبیّهم، فأقبلوا إلیه یقبّلون یده ورجله، فی فرح وغبطة ثم ودّعهم موسى قائلاً لهم: أرجو أن یعجّل الله فرجكم! وذهب إلى دار فرعون. وفی هذا الوقت علم بنو إسرائیل أن الفرج قد اقترب.. وانّه قد شبّ مخلّصهم من فرعون.

خرج موسى ذات یوم یتفرّج.. فدخل مدینة لفرعون، وبینما هو یسیر، فإذا به یرى رجلین یقتتلان (هذا من شیعته) من بنی إسرائیل (وهذا من عدوه) من القبط، فكان أحدهما یقول بقول موسى، وكان الآخر یقول بقول فرعون (فاستغاثه الذی من شیعته على الذی من عدوه) قال الإسرائیلی: یا موسى نجنی من هذا القبطی. فتقدم موسى إلى القبطی (فوكزه) ضربه بیده، وكانت الوكزة شدیدة، لما كان لـ(موسى) من قوة وبطش (فقضى علیه) ومات القبطی فی مكانه. قال موسى: هذا الاقتتال من عمل الشیطان.

فانتشر أمر موسى فی الناس، وقالوا: إنه قتل رجلاً من القبط (فأصبح فی المدینة خائفاً یترقب). وخرج فی غد ذلك الیوم یتحسّس الأخبار، فإذا به یمرّ بذلك الرجل الإسرائیلی، وهو یتقاتل مع رجل قبطی آخر.. ولما أن رأى الإسرائیلی موسى استصرخه وطلب منه العون فی إنجائه من القبطی. توجه موسى إلى الإسرائیلی، وقال له: (إنك لغوی مبین) كل یوم تقاتل رجلاً؟!

لكن موسى ـ بعدما قال هذا الكلام للإسرائیلی ـ نحى نحو القبطی لیزجره وینصر الإسرائیلی (ولما أراد أن یبطش بالذی هو عدوّ لهما) زعم الإسرائیلی أن موسى یرید الانتقام منه.. فاضطرب وتوجه إلى موسى قائلاً: (أترید أن تقتلنی كما قتلت نفساً بالأمس إن ترید إلا أن تكون جباراً فی الأرض وما ترید أن تكون من المصلحین)؟! فخاف موسى أن یتبیّن أمره، ویلقى القبض علیه فهرب من محل المنازعة، واختفى.

كان خازن فرعون مؤمناً بموسى (علیه السلام) وكان قد كتم إیمانه عن فرعون.. وبعد الواقعة استشار فرعون أصحابه فی أمر موسى؟ وأخیراً استقرّ رأیه على أن یقتله. لكن الله شاء أن یحفظ موسى من القتل.

فأخذ الخازن یناقش فرعون فی قتل موسى وقال: (أتقتلون رجلاً أن یقول ربی الله)؟ لكن لم تنفع المناقشة، وصدر حكم القتل، فلم یر الخازن حلاً للمسألة إلا أن یخبر موسى بالمؤامرة لینجو بنفسه.

(وجاء رجل من أقصا المدینة یسعى قال یا موسى إن الملأ یأتمرون بك لیقتلوك فاخرج إنی لك من الناصحین) وسمع موسى كلام الخازن (فخرج منها خائفاً یترقّب) بغیر دابّةٍ، ولا خادم ولا زادٍ متضرعاً إلى الله تعالى، قائلاً: (رب نجنی من القوم الظالمین) وكان یخاف أن یلحقه الطلب!

لكن الله حفظ نبیه عن أذى فرعون وقومه، فلم یظفروا به، حتى خرج من بلادهم.. وورد إلى بلاد آخرین (ولما توجه تلقاء مدین قال عسى ربی أن یهدینی سواء السبیل).

سار موسى (علیه السلام).. ترفعه أرض وتخفضه أخرى، حتى أتى إلى ارض مدین، فرفعت له من البعید شجرةٌ، فقصدها لیستظلّ بها، ولما اقترب منها رأى تحتها بئراً (ولما ورد ماء مدین وجد علیه أُمّةً من الناس یسقون). ونظر فی ناحیة، فإذا یرى جاریتین معهما غنمٌ تنتظران صدور القوم، حتى تسقیا غنمهما، من فضل ما بقی فی الحوض.

فقال لهما موسى: (ما خطبكما)؟ ولماذا تنتظران؟ (قالتا لا نسقى حتى یصدر الرعاء وأبونا شیخٌ كبیر). فرقّ موسى لحالهما، ودنا من البئر، وقال لمن على البئر: أستقی دلوین دلواً لكم، ودلواً لی؟ وكان الدلو كبیراً یحتاج مدُّه إلى جماعة... فقبل القوم كلامه لما رأوا فیه من المنفعة لأنفسهم، فتقدّم موسى (علیه السلام) وحده ـ وكان قویا ـ فاستقى وحده دلواً لمن على البئر ثم استقى دلواً آخر للجاریتین، وسقى أغنامهما.

( ثم تولّى إلى الظلّ فقال رب إنی لما أنزلت إلیّ من خیرٍ فقیرٌ) وكان (علیه السلام) حینذاك جائعاً لم یأكل منذ ثلاثة أیام شیئاً! وكان قد استولى علیه الضعف، والتعب.. فقد قطع الطریق بین مصر ومدین راجلاً خائفاً، ولم یعتد ذلك من قبل حیث انه كان فی ظلّ نعیمٍ فی بیت الملك، مهیئاً له أفضل الأطعمة، وأحسن المراكب، وأسبغ الرفاه والأمن.

فتضرّع إلى الله تعالى، فی أن یمنحه الراحة والأمن والمأكل. استجاب الله دعاء موسى (علیه السلام). فما أن رجعت المرأتان إلى داریهما ـ وكان أبوهما نبیاً من أنبیاء الله تعالى، واسمه: شعیب (علیه السلام) ـ حتى أخبرتاه بنبأ موسى.

إن شعیب سأل ابنتیه، قائلاً: أسرعتما الرجوع الیوم؟ وقد كانتا اعتادتا التأخر حتى یصدر الرعاء.

فقالتا: وجدنا رجلاً صالحاً رحیماً، فسقى لنا مع القوم، وهذا سبب مجیئنا قبل كل یوم.

فقال شعیب، لواحدة منهما: اذهبی إلیه، فادعیه لنجزیه أجر ما سقى لنا (فجاءته إحداهما تمشی على استحیاء) حتى وصلت إلى موسى (قالت إنّ أبی یدعوك لیجزیك أجر ما سقیت لنا) فقام موسى معها، وأرادت الفتاة أن تتقدّم على موسى فی المشی لتدلّه على الطریق لكن موسى أبى، وقال: بل كونی من ورائی، وأرشدینی إلى الطریق بدلالة.

حتى وصل إلى دار شعیب فدخل الدار، ورحّب به شعیب، واستفسره عن قصته (فلمّا جاءه وقصّ علیه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمین).

 



استطلاع الرای

  • من این دوله تزورون موقعنا؟

المشاهدین الکرام

  • کل الضیوف :
  • مشاهدین الیوم:
  • مشاهدین البارحه :
  • مشاهدین فی هذه الشهر :
  • مشاهدین فی الشهر الماضی :
  • عدد الکتاب الموقع:
  • عدد الاخبار :

المواضیع

مدیر الموقع