د. زغلول النجار:
"تحریم معاشرة الحائض" ومضة من ومضات الإعجاز العلمى

ان الإسلام من مظاهره الجمالیة تحدثه عن الكثیر من تفاصیل حیاتنا، وفی أدق الأمور مثل موضوع "الحیض" وهذا لا شك فیه إعجاز ، و توضیحه لكیفیة  تعامل الإنسان مع زوجته فی هذه اللحظة، كما رتب الإسلام الكثیر من الأحكام الشرعیة والفقهیة على وجود الدورة الشرعیة.

كما أن (الدورة الشهریة) هی معیار ما بین مرحلة ومرحلة بالنسبة للمرأة وكل هذه الأمور عندما ناقشها الإسلام خاصة إذا تخیلنا هذا الكلام منذ 1400 سنة اوضح الكثیر من النقاط ، مثل كیفیة معاملة الیهود مع المرأة وقت الدورة الشهریة وكیف كان أهل الكتاب والنصارى یتعاملون مع المرأة وقت الدورة الشهریة بل كیف كان العرب یتعاملون مع المرأة وفیها الإهانة وعدم الاحترام ، فجاء الإسلام ورفع من شأن المرأة فى هذه الفترة .

ومن یقرأ فی كتب النصارى والمسیحین یرى أن "الدورة الشهریة" هی عبارة عن عقوبة عاقبها الله تعالى لأمنا حواء لأنها كانت السبب فی إقناعها لسیدنا آدم من أكل الشجرة.، هذا المعتقد نحن لا نؤمن به ولا نؤمن أن جزءا من المرأة وهی قضیة طبیعیة بل وصحیة ونفسیة لها.

والإنسان لیس خصم لله تعالى حتى نعتقد أنه عاقبه بهذا الأمر بل الإنسان فی نظرتنا الإسلامیة هو خلیفة الله تعالى فی الأرض وهذه المعتقدات غیرها الإسلام وجاء وغیرها وغیر النظرة إلى المرأة حتى من خلال الدورة الشهریة.

اذن  ما هو وجه الإعجاز الاجتماعی والتشریعی فی هذا الموضوع؟

القرآن الكریم كله معجز كل إشارة وكلمة وآیة وسورة ، ومن صور الإعجاز العلمی فی هذه الآیة الكریمة التی قال الله تعالى فیها {ویسألونك عن المحیض قل هو أذى}، أن المحیض ثبت علمیا أنه أذى للكل من المرأة والرجل، والمحیض دورة جعلها الله تعالى وسیلة من وسائل تطهیر رحم المرأة ، فالمرأة إذا بلغت حتى قبل الزواج تنتج بویضة أو أكثر من بویضة فی كل دورة شهریة وهذه البویضة إذا لم تكن المرأة متزوجة أو كانت متزوجة ولم تجد ما یخصبها من الحیوانات المنویة فإنه ینهار بطانة رحم المرأة كنوع من أنواع التطهیر بالكامل فتنزل كمیة كبیرة من الدماء لأن الأوردة والشرایین فی رحم المرأة تكون كلها مكشوفة فتنزف المرأة فی هذه الدورة التی تستمر لعدد من الأیام وتختلف من حالة إلى حالة ثم تلتئم هذه الجراح ویتهیأ الرحم مرة أخرى لعملیة الإخصاب.

هذه آیة من آیات الله تعالى لأنه أولا الهدف من المعاشرة الزوجیة هو الإنجاب والصلة بین الزوج وزوجته فی حالة المحیض لا تؤدی إلى إنجاب فأولا ینتفی غایة كبرى من هذه العلاقة التی شرعها ربنا الله تعالى.

ثانیا من الأمور العجیبة التی یعرفها العلم الآن هو أن الدم یحمل نفایات الجسد فكل أوساخ الجسد من نفایات عملیة الطعام وهضمه وعملیة التنفس وإخراجه وكل مسببات الأمراض والأوبئة والفیروسات والجراثیم یحملها الدم، فالرحم عندما ینزف دما فهو عرضة للرجل والمرأة إذا تمت المعاشرة فی هذه الفترة بأمراض كثیرة منها سرطان عنق الرحم كما ذكرت منذ قلیل، فهی ومضة إعجازیة من الله تعالى الخالق البارئ المصور أن ینبهنا إلى مخاطر المعاشرة الزوجیة فی حالة الحیض.

أما الأمراض التی ثبتت علمیا بعد أخذ عینات من دم الحیض على فترات متتالیة وتربیتها فی المختبرات أثبتت أن دم الحیض ملیء بمسببات الأمراض، فالمعاشرة فی هذه الفترة تصیب كلا من الرجل والمرأة بأمراض لا داعی للتعرض لها لیس هذا فقط بل إذا كان هنالك معاشرة سابقة ثبت علمیا أن هذه المعاشرة تؤدی إلى تكوین مضادات حیویة فی رحم المرأة وهذه المضادات الحیویة لا بد من إزالتها بالكامل.

فإذا طلقت المرأة أو تزوجت رجلا آخرا لا بد من عملیة تطهیر كاملة حتى لا تصاب بشیء من المضادات الحیویة التی تبقى فی جسدها وتضر بها ولهذا كانت هنالك عدة للمطلقة وعدة للأرملة حتى یطهر الرحم، فالأمر الإلهی بتحریم المعاشرة الزوجیة أثناء المحیض ومضة من ومضات الاعجاز العلمی فی كتاب الله تعالى.

و إن الدورة الشهریة عندما تأتی للمرأة فهی دلیل على أنوثتها ولهذا عندما تناولها الإسلام فی القرآن
الكریم أو السنة النبویة تناولها من وجهة نظر فیها إعجاز وهذا الإعجاز إعجاز تشریعی وإعجاز اجتماعی ولهذا فإن كثیرا من الأحكام الشرعیة ترتبت على هذه المسألة.

فمثلا ناقش فقهاؤنا قضیة الصلاة كأن جاءت الدورة بین الظهر والعصر والمرأة لم تصل الظهر هل تقض هذه الصلاة أم لا وقضیة الصیام لو جاءت الدورة الشهریة جاءت قبل الإفطار بعشر دقائق هل تفطر المرأة أم لا..........؟

كذلك هناك علاقة فقهیة فی قضیة الحج والعمرة وكذلك فی لمس المصحف فهل تلمس الحائض القرآن أم لا............؟

إذن هناك كثیر من التفاصیل والأحكام المترتبة على الدورة الشهریة ولهذا فإننا إذا حسبنا عمر المرأة ونظرنا كم من المدة تفقدها المرأة فی دورتها الشهریة من عمرها بدون صلاة لو عملنا الحسبة لرأینا أن ربع عمر المرأة من غیر صلاة.


وهذه رحمة من الله تعالى ومع هذا كله لم یأمرها الله تعالى بقضاء الصلاة ولو أمرت بقضائها لكانت هناك مشكلة كبیرة وهذه من رحمة التشریع لأن الله تعالى یراعی أحوال المرأة ونفسیتها حتى فی أحكام الطلاق لو طلق الزوج زوجته أثناء الحیض فهل یقع الطلاق أم لا یقع وإذا وقع هل یسمى طلاقا بدعیا أم سنیا........؟

كل هذه الأحكام ترتبت على الدورة الشهریة وهكذا فإن قضیة الحیض فیها إعجاز اجتماعی كبیر.

و لقد كان الیهود مبالغلین لأنهم قبل بعثة النبی علیه الصلاة والسلام فقدوا التوراة بالكامل وابتدعوا على الله فی أمر الدین وأحبار الیهود كتبوا التلمود من الذاكرة على ما بقی فی أذهانهم من التوراة لهذا بالغوا فی أمر المحیض مبالغة شدیدة لأننا نؤمن بأن التشریعات الإلهیة واحدة والدین واحد كما أن إلهانا واحد كذلك الشرائع واحدة لهذا حرمت المعاشرة الزوجیة وقت المحیض عند الیهود وعند النصارى أیضاً.

لكنهم نتیجة لفقد كتابهم وابتداعهم على ربهم بالغوا فی أمر المحیض مبالغة شدیدة فكانت المرأة إذا حاضت عندهم لا تأكل معهم ولا تجلس ولا تعاشر ولا یدخل علیها البیت وتطرد من البیت وكل ما تمسه نجس وكل ما تجلس علیه نجس وهذه العملیة مبالغ فیها إلى حد إهدار كرامة المرأة لأن المرأة فی فترة المحیض تكون فی حالة نفسیة تحتاج إلى مراعاة شدیدة وتلطف شدید ورفق شدید بها ولا تحتاج إلى هذا العنف ولهذا كان النبی علیه الصلاة والسلام یبالغ فی ملاطفة زوجاته فی فترة المحیض لأنه یعلم أن المرأة لیس فقط تعانی من ضعف جسد إنما تعانی أیضا من ضیق نفسی وتحتاج إلى من یأخذ بیدها ویلاطفها ویجاملها ویسمعها كلمة طیبة.

فبعكس ذلك تماما جاء القرآن الكریم فأولا عدم معاشرتها فی هذه الفترة وقایة لها ولزوجها ثانیا عدم المعاشرة لأن المعاشرة غیر مثمرة لا ینتج منها نسل والتلطف مع المرأة بشكل جید.

فالنبی علیه السلام یؤسس لنا منهجا بأن المرأة حتى فی الدورة الشهریة یتعامل معها بالرحمة ویمارس الإنسان معها كل أنواع الحیاة ولهذا قال علیه الصلاة والسلام (اصنعوا كل شیء إلا النكاح )، بل إن كثیرا من الأمراض وهذا ما یثبته العلم فی الغرب بل حتى سرطان عنق الرحم یأتی فی كثیر من الأحیان من الجماع وقت المحیض والغرب الآن لا یفرق ما بین إذا كانت الزوجة علیها دورة شهریة أو لا ولا یتجنبون النكاح فی هذه اللحظات وهذا فی الحلال فكیف فی الحرام.

إذن المحیض هو معیار وفیصل فی كیف نحكم على هذه الفتاة أنها دخلت فی سن التكلیف أم مرحلة البلوغ فالدورة الشهریة هی الحكم والفیصل، فالله تعالى سیحاسبها عل أعمالها وسلوكها وتصرفاتها وما بین أنها قد رفع عنها القلم والمحیض هو المعیار .

وواصل د. زغلول حدیثه بالقول ان فترة الحیض هی فترة صعبة تمر بها الأنثى سواء كانت متزوجة أو غیر متزوجة ویوصی الإسلام بالرفق بالمرأة فی هذه الفترة لما تعانیه من ضغوط نفسیة لیس فقط ضعف بدنی، فهى تصاب بكثیر من الضعف والهزال لما تنزف من دماء لكن الأصعب فی ذلك أن حالتها النفسیة تكون كمن فقد شیئا غالیا عزیزا على نفسها.

لهذا لا بد للأزواج من مراعاة هذه الفترة فی حیاة أزواجهن ولا بد من الآباء والأمهات أن یراعوا صعوبة هذه الفترة من حیاة البنت خاصة فی بدء المراهقة والمرور فی هذه المرحلة لأنها تصاب بشیء من التوتر العصبی والأزمات النفسیة والهزال والضعف البدنی وقد تصاب بارتفاع فی درجة الحرارة والشعور بصداع شدید والمیل إلى النوم لساعات طویلة.

ولا بد من مراعاة الحالة النفسیة للفتاة البالغة أو للمرأة المتزوجة فی هذه الفترة أیضا لا بد من مراعاتها فی مرحلة انقطاع الطمث وهو عندما تصل المرأة إلى ما بعد سن الأربعین أو خمس وأربعین أو الخمسین تختلف من حالة إلى حالة وإذا انقطع هذا الطمث فإن المرأة ستشعر بأنها فقدت جزءا من دورها كامرأة فی المجتمع وهی أنها فقدت القدرة على الإنجاب لهذا لا بد أن تراع حالتها النفسیة فی هذه الفترة وأن تعامل بشیء من الرفق والمجاملة والتلطف حتى لا تقع فی بعض الأزمات النفسیة.

حتى موضوع الطلاق عندنا إذا طلق الزوج زوجته وهی فی الدورة الشهریة فإن هذا الطلاق یقع بدعیا بمعنى أن الطلاق یقع والزوج آثم وهو نوع من أنواع مراعاة نفسیة المرأة ومراعاة صحتها فی تطبیق الأحكام القانونیة.