تبلیغات
راحیل - مطالب الانبیاء فی القران

النبی ابراهیم الخلیل 3

1387/10/29 01:53 ب.ظ
الارشیف الیومی:الانبیاء فی القران، 

 

إبراهیم فی فلسطین

حلّ إبراهیم فی فلسطین، بین قومه، وقد آمن به، منهم، قلیلٌ!. وكانت حیاته مقسّمةً بین عمل فی سبیل العیش والحیاة، وبثّ الدعوة بین قومه، وإرشادهم، وانصراف إلى شؤون بیته وأهله،... فلكل حقّهُ من الاهتمام!..

وكانت زوجهُ سارة عاقراً، فلم یُرزق إبراهیم منها ولداً، یخلُفُه من بعده..

وأنِسَت سارةُ من زوجها رغبةً فی ولدٍ یلیه، ویحفظ ذكره، بعد تصرّم أجله (أی: انقضاء أیامه) أنها طبیعة الحیاة، وسنّة الله فی خلقه.

والتمع فی ذهن سارة خاطر: فلم لاتزوّج إبراهیم من هاجر، خادمتها، وبذلك توفّر على نفسها عناءً قد تلاقیه من ضرّةٍ غریبةٍ، لاتعرف من أمرها شیئاً؟..

وفاتحت سارة إبراهیم بهذا الخاطر الطارئ، فرضیَ!..

وتمّ ذلك!..

وشاء الله أن تحمل هاجر، لتلد، فیما بعد، إسماعیل، بكر أبناء إبراهیم، وخلیفته من بعده. وامتلأت حیاة إبراهیم سعادة، وقد رزقه الله غلاماً ذا شأن!.

وارتفع شأن هاجر فی المنزل، فهی زوج إبراهیم، وأمُّ إسماعیل..

وأنست سارة بالولید الصغیر، المُنمنم المحیّا، البهیّ الطّلعة، على سُمرةٍ داكنةٍ، بعض الأنس، ورضیت بعض الرضى، فمن یدری؟.. لعل إسماعیل یكون لها بمثابة الإبن، فی مستقبل الأیام، وهی العقیم!.

ولكن انصراف إبراهیم إلى ابنه، وأمّه، عنها، أثار حفیظتها، وأشعل غیرتها. فمتى كانت الأمةُ كالحرّة؟.. ومتى كان اللیل الداكن، كالنّهار السّاطع بالضیاء؟ ولم تطق سارة مع هذه الأمة وطفلها، عیشاً!.. وقد اسودّت الدنیا فی عینیها. والغیرةُ داءٌ عُضالٌ!..

واحتار إبراهیم فی أمره: فلیس بوسعة أن یغضب سارة، ولیس بإمكانه أن یتخلّى عن هاجر وابنها.

وتصر سارة على إبعاد هاجر وابنها عن الأرض التی هی علیها... فلیس لهاجر فی هذه الدّیار، مكانٌ!..

وكأن الله تعالى أوحى إلى نبیّه إبراهیم: أن سِر بهاجر وابنها إلى أرض الحجاز!.. فسار!..

 

ودیعة إبراهیم

الرّكب الصغیر یتهادى فی سیره فی أرض فلسطین إلى أرض الحجاز!.

والأمةُ وطفلها فی هودج، مع متاع یسیرٍ،.. والراحلة تُتلع (إی: تمد) بعُنُقها، فالدّرب طویل طویل!..

وإبراهیم على دابّته، وقد أضناها المسیر، فهزلت، وضمُرت..

وتمضی الأیامن تتلوها الأیام، قاطعاً خلالها نبیُّ الله إبراهیم صحارى، وأرضاً مقفرةً، معرّجاً من نجع (موطن العشب) إلى نجعٍ، ینزل، حیثُ أضناه لغوب (أی: تعب) السّیر والسُّرى (المشی لیلاً)..

والطفلُ فی حضن أمّه، یتلوّى، وقد أدركه إرهاق مشئ الناقة، الوئید..

ویحُطُّ "خلیلُ الرحمن" إبراهیم، عصا ترحاله فی صحراء بلقع،... وتنزل هاجر ومعها ابنُها، وشئٌ من زهید المتاع، وضئیل الزّاد! ویُبادرها إبراهیم قائلاً:

- فی هذه الأرض مستقرُّكُما، حتّى یأتی الله بأمره!.

وتتلفّت هاجر ذات الیمین وذات الشمال، كظبی أعفر مذعورٍ، فلا ترى إلاّ صحراء تتلوها صحراء، وقد خلت من كل أثر من آثار الحیاة، فتصرُخَ، وقد ارتسمت على وجهها علائم اندهاش واستغرابٍ:

- أفی هذه الأرض ستدعُنا یاإبراهیمُ؟

- أجلُ، یاأم إسماعیلَ.

- وإلى من تكِلُنا فی هذا المهمه القفر (الصحراء المجدبة)؟

- إلى الله تعالى...

- ولكنّه الموتُ. أتترُكُنا ها هنا لنهلك جوعاً وعطشاً، فی حرّ الهجیر، ومستعر الرّمضاء؟.

- إنهُ أمرُ الله، فاعتصمی بالصبر، واتّكلی على الله..

وتضم هاجر الولید الرضیع، وقد علا صُراخهُ، إلى حضنها، ثم تقدّمه لأبیه، مستعطفة فلعلّ قلب الأب یرقُّ!..

ولكنّ إبراهیم أشاح بوجهه عنها، وهو یزدرد ریقه، وقد جفّ حلقُه...

ثم عاد واستقبلها بابتسامة الحانی الشّفوق، مطیّباً خاطرها، داعیاً إیاها إلى التوكّل على الله... فهو ولیّ أمر عباده المسلمین إلیه أمورهم، قائلاً لها:

- لن یُضیّعكُما الله فی هذا المكان الموحش!.

ثم، یعتلی دابّته، منتهراً إیّاها، فتجری به سریعاً، ویُلاحقه صراخُ هاجر، وعیل الطفل، فلایدیر إلیهما وجهاً..

ولكنّ قلبه كان كالمرجل غلیان عاطفةٍ، وحُزناً متّقداً...

وتوجّه إبراهیم بكلّ مافیه من إحساسٍ صادقٍ، یتفجّر من قلبٍ سلیمٍ، إلى مولاه، هادیه، والآخذ بیده فی كل موقف عصیب، رافعاً إلیه یده، وصوته، وكأنّه یجهش باكیاً:

{ربّنا إنی أسكنتُ من ذرّیتی بوادٍ غیر ذی زرع عند بیتك المحرّم، ربّنا لیُقیموا الصّلاة، فاجعل أفئدةً من النّاس تهوی إلیهم، وارزقهم من الثّمرات لعلّهم یشكرون}.

إنها ودیعةُ إبراهیم عند الله!. وهل كالله مستودع وثیق؟..

زمزم:

وتلاحق هاجر، بنظراتها الولهى، زوجها إبراهیم، على دابّته، تجتاز به القفار... وتظل كذلك، حتى أصبح یتراءى لها من بعید، نقطة داكنةً على صفحة غبراء... ثم تختفی هذه النقطة شیئاً فشیئاً، وكأنّها تذوب!.

فتستسلم هاجر إلى الانتحاب بمرارةٍ، وتبكی سوء مصیرها، ومصیر طفلها، وتندُبُ حظّهما التّعیس! فقد عصف بها یأسٌ مریرٌ قتّال!... ثم لاتلبث أن تُسلم أمرها لله!... فهكذا وصّاها إبراهیم.. فیالقساوة قلوب الرجال!. وتذكر ضُرّتها سارة، فتُدرك أنّ قلوب النساء أقسى!..

وتعود بها الذكریات إلى سابق حیاتها فی البلاط الملكیّ، العاطر الأرجاء، دائماً... الدّافق بالرزق والخیرات الحسان، على استمرار... وإلى انتقالها إلى أرض فلسطین التی لایفارقها الإخضرار صیف شتاء.. وأین من ذلك كلّه، هذه الأرض المواتُ، التی تستعصی الحیاة فیها على الحیّات... فتنهمر من مقلتیها دموع حرار غزار... ولایعیدُها إلى واقعها الذی هی فیه، إلاّ صوتُ رضیعها إسماعیل، الذی أخذ یُلعلع فی هذه الأرض الموحشة المقفرة، بصُراخه، ولامن سمیع!..

فتسرع إلیه تُلقمهُ ثدیَهَا، ولكن الّبنَ جفّ منه، فیعافُه، إذ لاخیر فیه..

ویعاود الصُّراخ، فتُهدهده فی حضنها، معلّلةً إیاهُ، فلعلّه یركنُ إلى السّكوت. ولكن الطفل یزداد صُراخاً، معلّلةً إیاه، فلعلّهُ یركنُ إلى السكوت. ولكن الطفل یزداد صُراخاً، وقد لفح جبینه الطریّ حرّ الهجیر، ولسعة الرّمضاء.. فتحتار الأمّ فی أمرها، وترفع بصرها إلى السماء، ضارعةً، بحرقه الملهوف الحیران الحزین:

- ربّاهُ، مالعملُ؟...

ویلوح لها من بعیدٍ مایشبه الماء، فتدع الطفل أرضاً، یفحس بقدمیه الحصى والرّمل، وقد اشتدت به حرقةُ الظّمأ.

وتُهرول إلى الماء الذی لاح لها آنفاً، رقراقاً، لمّاعاً، وإذا به سرابٌ خدّاعٌ!.. ثم لاتلبث أن تعود غلى مكانها الأول، حیث طفلُها، مهرولةً، فصُراخهُ یقطّع نیاط قلبها الملتاع! وتعاود النّظر، فإذا كالماء، وتُهرول إلیه من جدید، وتسعى،... ثم لاتلبث أن تعود... وهكذا، فما انفكّتْ عن هرولةٍ وسعیٍ فی جیئةٍ وذهابٍ، حتى استوفت سبعة أشواطٍ كاملةٍ.. وصراخ الطفل یعلو، وقد فار وجهُهُ، بینما قدماهُ لاتتوقّفان عن فحص الأرض فحصاً عنیفاً...

ویشتدّ تلوّی الطّفل الظّمآن،... ویشتدّ صُراخُه،... ویشتدُّ فحصُ قدمیه الصّغیرتین..

ولاتطیق هاجر مزید احتمالٍ واصطبارٍ، فتُغمض عینیا قلیلاً، وقد أعیاها الجهد، وأخذ الإعیاء منها كلّ مأخذٍ، وتشعر بما یشبه الدّوار، وتشعر بأنهّها لتكادُ تتهاوى أرضاً... وتفتح عینیها، وقد كفّ الطفلُ عن صُراخه،..

وإذا بالماء یتفجّر بین قدمیه الصّغیرتین، زُلالاً!... إنّه لیس سراباً هذه المرّة..

وتفرُكُ عینیها، أفی حُلم هی؟.. فهی لاتكادُ تُصدّقُ ما ترى!..

وتُسرعُ إلى الماء تحبسُهُ، أن یسحّ على الرمل، ویفیض، بشئ من رملٍ وحصىً..

وتتناول الماء براحها السمراء الذاویة، وتدنیه من شفتی الولید الجافّتین، فتبتلاّن! وتسقیه جُرعة ماء صغیرة، برّدت منه غلیل الحشا.. وترشُفُ من هذا الماء المبارك رشفات، فتعود إلیها الحیاةُ..

ویورق فی خاطرها أملٌ!.. ویُزهر رجاءٌ!..

وتذكر قول زوجها إبراهیم، وهو یهُمُّ بمغادرتها:

- لن یُضیّعكِ الله، وابنكِ، فی هذا المكان الموحش...

وفعلاً، كانَ ذلك!..

فقد تكفّلها الله وولیدها، فی هذه الأرض المُجدبة، برحمةٍ منه وحنانٍ... وفجّر لهما، فی قلب الصّحراء، ینبوعاً!..

هذه العینُ الثّرةُ هی "زمزم" مورد الحجیج على مرّ الدّهور، ومستقى عُطاشى مكّة فیما بعد، ومن سیحلُّ حولها من الأعراب، وحجّاج "بیت الله الحرام" الّذین من مناسك حجّهم، السعیُ بین الصّفا والمروة، سبعة أشواطٍ، بالتّمام والكمال، كما فعلت هاجر الولهى على حیاة ابنها الرّضیع!..

 

إسماعیل وجُرهُمْ:

قافلة من التُّجّار حطّت رحالها فی أسفل مكّة. إنّهم من "جُرهُم" أتوا بتجارةٍ لهم..

ویشاهد التجار طیوراً تحوم فوق مكانٍ قریبٍ مما نزلوا فیه... وإنهم لیعلمون جیداً بأن الطیور لاتحومُ إى فوق عین ماءٍ، أو طعام لها.. فأرسلوا واردهم لیعود إلیهم بخبر تحویم هذه الطیّور.

وعاد الرّسول بعد حین، یزُفُّ إلیهم البُشرى: لقد فجّر الله فی تلك البُقعة من الصحراء عینَ ماءٍ سلسبیلٍ، فإلیها أیها العُطاشى الظِّماءُ!..

وتوافد الجرهمیّون فرحین، سراعاً.. فوجدوا أمّ اسماعیل وابنها..

واستأذنوا أمّ إسماعیل أن ینزلوا مجاورین، مستقین الماء، فرضیت بهم نزلاء، لامُغتصبینَ..

وتكاثر جمعُهم، واختلط اسماعیلُ بهم، وأخذ عنهم اللّسان العربیّ المُبین... وتزوّج بامرأةٍ منهم، فقّرّ بها عیناً..

وخالط الجهرمیین كأحدهم، فكان بینهم طائر الصّیت، ذائع الشُّهرة، محمود الذّكر... وماهی إلاّ سنین، حتّى اختطفت الموتُ أمّه، فحزن علیها حُزناً شدیداً وتفطّر (أی: انشقّ) قلبُه على هذه الأمة التی عاشت على التسلیم، والقناعة، والرّضا، والتی -شاء الله- أن یكون لها شأنٌ عظیمٌ!..

وكان إبراهیمُ یأتی بین الحین والحین للاطمئنان عن ولده إسماعیل، والوقوف على أحواله، وكثیراً ماكان یصادف وصولَه غیابُ الابن عن البیت، لأمور.. فیمكث الأبُ فی منزل ابنه ساعةً أو سویعات.. وتحدثنا بعضُ الرّوایات، أن إبراهیم كان فی بعض زیاراته لاینزلُ عن ظهر دابّته، فكأنّه آتٍ، على عجلةٍ من أمره- لیستطلع خبراً، ومن ثمَّ، یعود أدراجه من حیث أتى.. بعد أن یترك لابنه وصیةً شفویة، تنقلها إلى أسماعیل زوجُه، عن لسان هذا الشیخ الزائر، الوقور، المهیب..

البلاء المبین:

فتنٌ تتلوها فتنٌ، ومحنٌ یأخذ بعضها برقاب بعض (أی: تتوالى).. وكأن الله، جلّت قُدرتُه، قدّر لهذا النبیّ الكریم، النّازل، أبداً، على حكم قضاء الله ومشیئته، أن یصهره البلاء بعد البلاء، كی یصفو خالصاً من كل شائبةٍ، كالذّهب الإبریز!..

ولعل أشدّ ماابتلى الله به خلیله النبی إبراهیم، وامتحنه به، أمرُه تعالى أن یذبح وحیدَهُ إسماعیل!..

وكأن لیل هذا البلاء العسیر، لیس له من آخرٍ!..

 

ویصارح الأبُ ابنه بما أمره الله تعالى به، فیا للبلاء المُبین!..

وما ذاك إلاّ لیُلاقی طلبُ الأب رضىً فی نفس الابن، واستجابةً له، فلا یجرُّهُ إلى الذّبح -امتثالاً لأمر الله تعالى- قهراً، قسراً..

{ قال یابُنیَّ إنی أرى فی المنام أنّی أذبحُكَ فانظُر ماذا ترى}

ونحن نعلم، بأن رؤى الأنبیاء حقٌ كلُّها وصدقٌ، فلیس للشیطان إلى نفوسهم الزكیّة من سبیلٍ! وإن اسماعیل لیعلمُ ذلك حق العلم، فهو نبیٌّ من خاصّة طینة الأنبیاء المجتبین وهو البارُّ بوالدیه، الشفوق علیهما فی شیخوختهما بحدبٍ وإیثارٍ..

وماكان إسماعیل لیتردّد فی الاستجابة الفوریّة لإرادة الأب الممثّلة فی بعض حالاتها إرادة الله.

{ قال یاأبت افعل ماتؤمر ستجدُنی إن شاء الله من الصّابرین}

ویطیب إبراهیم نفساً بهذا الابن البارِّ،..

وتفیض عاطفةُ الأب!.. ویرقُّ قلبُ الابن باستسلامٍ غریبٍ،.. فیجهشان بالبُكاء!..

ویضم إبراهیم إسماعیل إلى صدره، قائلاً له، ویدهُ تعبثُ بشعر هذا الفتى بحنانٍ:

- نِعمَ الولدُ أنت یابُنیّ، معیناً على أمر الله، فجزاك الله خیر مایجزی ولداً عن والدِه.

ویشُدُّ إبراهیم ابنه وثاقاً...

ویستسلم الابنُ للذّبح، على قناعةٍ، ورضىً، وتسلیمٍ..

وینظرُ إبراهیمُ إلى ولده إسماعیل ملقىً بین یدیه، كالنّعجة الودیعة،.. وإلى السّكین فی یدهِ، حادةً، رهیفةً، تتلظى مضاءً، لفرط ماشحذ شفرتها إبراهیم..

وتفیضُ عبرات الأب، وكأن المذبوح قلبُه، لاابنُه!..

فمتى كان الأبُ یجزر ابنه الوحید؟..

ویطلب الابنُ من أبیه، أن یربط عینیه بمندیل، فلا تلتقی منهما النّظرات.. إذ للعیون لغة، یقصر عن بعضها بلیغ التعبیر!.. ویفعل الأبُ ذلك..

ویذكر إبراهیم اسم الله، ویحُزُّ،.. فلا تفعل السكّینُ!.. فعل خارت عزیمةُ إبراهیم، أم غاب عن المُدیةِ المضاءُ؟

ویطلب إسماعیل من أبیه، ثانیةً، أن یكبّهُ على وجهه، لیذبحه من القفا.. فلایرى الألم على وجهه، وهو یصدعُ بأمر الله.. ویفعل إبراهیم ذلك..

ویعاود الحزُّ، باسم الله، .. ولكنّ السكین لاتفری، ولا تقطع، ولایشخب جرحٌ دماً..

ویحاول إبراهیم ثالثة، وكأنه ینتهر هذه السّكّین المتمرّدة على الذّبح وألقی فی روعه أنّ السّكّین تنطقُ:

- العبدُ یأمرنی، والله ینهانی!..

ویرتمی إبراهیمُ، فیقتعدُ الأرض، خائراً، یلهثُ، وإنّ جبینه لیرفض عرقاً صبیباً، والسكّینُ فی یده..

ویتطلّع إلى علٍ، ینتظر أمر السّماء، وإذا به یرى ملاكاً یتهادى نحوه، نزلاً، إنه جبریلُ، الذی یعرفُهُ جیداً، وقد أمسك كبشاً سمیناً، متّجهاً به إلیه.. منادیاً إیاهُ:

{ أن یاإبراهیمُ. قد صدّقتَ الرؤیا إنّا كذلك نجزی المحسنین}

وتناول إبراهیم هذا الكبشَ- القُربان، وأمرَّ السكّین على حلقه، فهوى الكبش یتخبّطُ بدمه، مذبوحاً من الورید إلى الورید.

وهكذا افتدى الله ابن خلیله بكبشٍ سمینٍ. فصار إسماعیلُ "ذبیح الله" كما صارت الضحیّة أحد مناسك حج المسلمین فی كلّ عامٍ،.. حیث تنحر ألوف ألوف الضحایا السّمان، وتُقدّم قرابین، فی ذكرى "ذبیح الله" إسماعیل ابن إبراهیم (علیهما السلام)، وإشارة إلى هذه الذكرى، ورمزاً!...

بناء الكعبــة:

ویأتی إبراهیمُ ولدهُ إسماعیل، فی مكّة، لازائراً هذه المرّة، ولامتفقّداً، ولامطمئناً... ویطرُقُ علیه الباب، فلا یجدُه.. ولایستغرب الأبُ ذلك..

فلطالما كان یُلحّ على هذا الأب الشیخ، الشوقُ، فیقصدُ ابنه، كی یطفئ لواعج شوقه برؤیته، غیر مُبالٍ نأیَ الدّیار، وشحط المزار،..

ولمّا كان یطأ عتبة داره، ویسأل عنه، یُخبر بأنّه غادر البیت، منذُ أیّام وخرج للقنص،.. أو هو فی خارج مكة مع بعض صحبه،.. أو قد انصرف إلى بعض أعماله، بعیداً عن داره..

فكأن مكث هذا الولد فی بیته، علیه حرام!..

ویتفقّد إبراهیم إسماعیل بین المضارب والأطناب (حیث تُنصبُ الخیام) فلا یجدُه، فأین هو؟.

ویتّجه إبراهیم إلى بئر زمزم لیروی طمأه، ویاخذ حظّاً من الرّاحة، بعد أن أعیاه التّجوال! فیرتوی من الماء المعین، ویحمدُ الله تعالى حمداً كثیراً نوقد استجاب دعوة إبراهیم فعمّر هذه الدّیار، وأسال هذا الماء السّلسبیل.. وأصبح هذا المكان الذی كان قفراً بلقعاً، منتجعاً، ومورداً للغادی والرائح والمقیم... فحُطّمت فیه الرّحال، طلباً للسُّكنى فیه، وللإقامة. وتكاثر فیه خلقٌ، وازدحمت فیه الأقدام... وقام فیه سوقٌ یتّجرُ فیه هؤلاء البدو، ویتبادلون فیما بینهم بضائع، وشیئاًن من صناعةٍ، یسیراً!...

وتطلّع إبراهیم إلى دوحة فینانة، باسقة متهدّلة الأغصان، وإذا برجل یتفیّأ ظلالها وهو یبری سهاماً بین یدیه.

وتأمّل إبراهیم الرجل محدّقاً، فهو یشبه ابنه اسماعیل الّذی یجد فی طلبه. ولعلّه هو!. وتقدّم نحوه خطوات، فإذا هو إسماعیل عینُهُ، فیحُثُّ نحوه الخُطى!..

ویشاهد إسماعیل شیخاً عجوزاً، یتقدّم منه بسرعة الملهوف، ویتفرّسه ملیاً، فیعرفُهُ.. إنّه أبوه إبراهیم، فیصرُخ متهلّلاً، وقد أخرجتهُ المفاجأةُ السّعیدةُ عن طوره.. ویصیحُ الأبُ،.. ویركضُ كلٌّ منهما نحو صاحبه فیتعانقان ملیاً.

ویجلس إبراهیم إلى جانب ابنه إسماعیل، تحت الشّجرة الفرعاء، یتأمّل فیه عزیمة الشّباب ونضارة الفتوّة إنّه رجلٌ ملءُ البصر، قد تهلّل وجهُهُ بِشراً، وكأنّ السّعادة تتقطّر من هذا المحیّا الكریم.. وینشرحُ الأبُ صدراً لهذا اللّقاء الماتع..

ویتناول الابنُ ید أبیه الخشنة، فیقبّلها، ویشمُّ فیها عبق النبوة الفوّاح، وأریجها المعطار!.. فلقد طال عهد دون یأذن الله بمثل هذا اللقاء الأنیس..

ویقبّل الأبُ غرّة هذا الابن، القویِّ الأركان،.. إنه امتدادُهُ فیما بعدُ على كرور الأعوام.. وبنسله ستعمرُ دیارٌ، وتمتلئُ بقاعٌ!..

ویدعو الابنُ أباه إلى البیت.. فوعثاءُ السّفر بادیة العیان على ثیاب هذا الشیخ ووجهه.. وجبینُه الكریم ینضح عرقاً وتعباً..

فیستمهل الشیخ ابنه وقتاً یسیراً.. فما كانت هذه الرّحلةُ الشّاقّةُ إلاّ كی یفضی إبراهیم إلى إسماعیل بأمر جلل، وخطیرٍ. فلا للزیارة أتى ولا للإطمئنان، ولكن لمهمّةٍ أوحت بها إلیه السّماء!.. ویدنوان الواحد من الآخر، وكأنهما یتناجیان بسرٍّ، لایُباح..

ویشیرُ إبراهیم إلى نشزٍ من الأرض، یُطلُّ علیهما، قائلاً لابنه: -إنّ الله تبارك وتعالى أمرنی أن أقیم للنّاس فی هذا المكان بیتاً، یحُجُّ إلیه الناسُ أفواجاً، یقیمون فیه شعائر الله، وقد توافدوا إلیه من كل فجٍّ عمیقٍ، ویتقرّبون فیه إلى الله بزكیِّ الطّاعةِ وخالص العبادة، ویذكرون الله فیه، فی أیامٍ معدوداتٍ، ذكراً كثیراً!..

ویشمّر إسماعیل عن ساعدین مجدولین، قائلاً لأبیه:

- انهض، یاأبت، بما أمرك الله، فأنا نعم العون لك، إن شاء الله،.. على الله قصدُ السَّبیل!..

وتشیعُ على وجه الشیخ المهیب ابتسامةٌ طافحةٌ بالسّعادة والرّضى.. وینهضان إلى بیت إسماعیل، على الرّحب والكرامة.

وما أن تنفّس الصّباح، حتى كان الشیخ وفتاه یُباشران عملهما، فالفتى یحمل معدّات وآلات، والشیخ یحفر الأساس لأوّل بیت من حجرٍ شهدته الكُرَة الأرضیّةُ.

{ إن أول بیتٍ وضع للناس، للّذی ببكّة مباركاً وهدىً للعالمین. فیه آیات بیّناتٌ مقامُ إبراهیم ومن دخلهُ كان آمناً ولله على النّاس حجُّ البیتِ من استطاع إلیه سبیلاً، ومن كفر فإنّ الله غنیٌّ عن العالمین}.

وانطلق إبراهیم یحفر بهمّة الشّباب وعزیمة الفتیان،.. لا یُبالی، وقد اغبّرت لحیتُه الشّریفة بما لحق بها من غُبار..

وكان إسماعیل یحمل إلیه الحجارة، یقدّمها بین یدیه، ویعینُهُ على رصّها حجراً جنب حجر، ومدماكاً یعلو مدماكاً..

ویبتسمان راضیین، فلقد استطال البُنیان..

ویُلقى فی روعهما بأنّ الله أمدّهما ببعض الملائكة حتى علا البنیان المقدّس، واستطال..

ویمكثان على ذلك بعض أیّام..

ولمّا بلغ البُنیان طولُ قامة إبراهیم، طلب الشَّیخُ من ابنه أن یوافیه بحجرٍ یرتقیه، لمزید من إعلاء البنیان..

وبعد طویل تفتیشٍ، یهتدی إسماعیل إلى حجرٍ فیه لمعةٌ داكنةٌ، ضاربةٌ إلى السّواد، یختلف عمّا سبق وحمل لأبیه من حجارةٍ. فیعلوهُ إبراهیم، ویعلُو البِناء.. ثم یأخذُ إبراهیمُ هذا الحجر الغریب، فیرصُّه إلى جانب حجرٍ فی أحد أركان هذا البُنیان إنه الحجرُ الأسودُ الّذی یسعُدُ المسلمون بتعفیر وجوههم فیه، ولثمه، واستلامه، فی حجٍّ لهم، وفی عمرةٍ...

ویعودان فی الیوم التالی لاستكمال بناء البیت، وإذا به قد علا فی الجوِّ، مهیباً، باذخاً، وماهكذا تركاه مساء البارحة، فیشكران الله على توفیقه، وتسدیده، وتأییده..

ویتّضح لهما بأن قد شارك فی بناء هذاالبیت، أهلُ أرضٍ، وأهلُ سماء، إنه بیتُ الله فی وسط أرضه، وقد أراده الله محجّةً لعباده، فكان!..

ویتابع إبراهیم وإسماعیل عملهما فی البناء، وقد استفزّهما نشاط، وهمّةٌ وثُوبٌ... إذ لم یبقَ أمامهما إلاّ سقف البیت یمُدانه فوق ثوابت الجدران، وتمّ لهما ذلك بیسر، وجهدٍ قلیل..

ونزل إبراهیم وإسماعیل إلى البیت، وقد فرغا، لتوّهما من بنائه، یصلیان.. ورفعا أیدیهما بحارّ الدُّعاء؛

{رّنا تقبّل منّا إنّك السّمیع العلیم. ربّنا واجعلنا مسلمین لك ومن ذرّیّتنا أمّةً مسلمةً لك وأرنا مناسكنا وتُب علینا إنّك أنت التوّاب الرّحیم}

وهكذا كانت الكعبة الشریفة محطّ أنظار المسلمین فی كلّ بقاع الأرض، ومهوى أفئدتهم، وقبلة صلواتهم الخمس فی كل یوم، یتّجهون بها إلى الله تعالى من خلال بیته العتیق!..

إبراهیم والملائكة المرسلون:

عاد إبراهیم من مصر، كما مرّ معنا آنفاً بقُطعان كثیرة، ومالٍ وفیر.. واربت ثروته، وتكاثرت قطعانه حتى ضاقت با رحاب المروج الخضر.. وكان معه "لوط" أحد أقربائه الصّالحین، وأنصاره المقرّبین.

واتّخذ "لوط" لنفسه ناحیةً ثانیةً من أرض فلسطین، بعد أن ضاق الفضاء بقطعانه وقطعان إبراهیم. متخذاً "سدوم" له مقراً، ومنتجعاً..

وكان أهلُ "سدوم" قوماً مفسدین، لایتورّعون عن منكر یأتونه، أو، عن قبیح، ولایحجزهم عن معصیة الله خلقٌ ولادینه، ولامروءة الرّجال.. وعلاوة على ذلك كلّه، فقد ابتلاهُم الله بانحرافٍ فی أمزجتهم، واعتلالٍ فی علاقاتهم، فكانوا لایتناهون، ولاینزجرون..

ویئس منهم لوطُ.. فلطالما دعاهم إلى الهُدى، وخوّفهُم عقاب الله، وعذابه الألیم، فكأنهم، والصلاحَ، على طرفی نقیضٍ، لایجتمعان... فدعا علیهم نبیُّهم لوطُ بعد أن طفح كیل فسادهم وفحشائهم، وإصرارهم على المنكر...

واستجاب الله لنبیّه لوطٍ، الدُّعاء!..

* * *

النبی إبراهیم فی بیته منصرفٌ إلى بعض شؤونه... ویقال له: یاإبراهیمُ!... ضیوفٌ فی الباب!..

وتهلّل وجهُ إبراهیم استبشاراً، وبرقت منه الأساریر الوضاء!.. فأهلاً بالضیوف، وسهلاً،.. ویامرحباً بالطارقین!.. وكما أنّ إبراهیم "خلیلُ الرّحمن"، فهو "أبو الضّیفان" أیضاً.. وكثیراً ماكان یتأخّر فی تناول عشائه، انتظاراً لضیوف قد یكونون إلیه متّجهین، فیؤاكلُهُم فی هزیعٍ من اللیل. ویمكثون عنده ماشاؤوا، على تكریمٍ..

وكان من عادة خلیل الرّحمن، أبی الضّیفان، أن یوقد لسُراة اللیل، المُدلجین، (أی: المسافرین لیلاً) نیراناً، على القِمم، یهتدون بضوئها، فینزلون عنده ضیوفاً مكرمین.. أما وقد أتوه یطرقون بابه، فیاللبُشرى!..

وخفَّ إبراهیم إلى الباب، یستقبلُ ضیوفه، وقد أخذ المساءُ یوشّح الأرض بدكنةٍ وسوادٍ.. وأدخلهم الدار، ولسانه لاینقطع عن الترحیب، وأجلس كلاًّ منهم على إهاب (أی: جلد كبشٍ)، وثیرٍ!..

وأسرع إلى الزّریبة، فشدّ منها عجلاً سمیناً، ذبحهُ، ثم سلخ جلدهُ على عجلٍ، وأوعز إلى زوجه العجوز سارة، وقد أربت على الثمانین، أن هیّئی لنا من لحم هذا العجل طعاماً، نقدّمه للضیفان!..

وعاد إلى ضیوفه مرحّباً بهم من جدید، یؤنسهم بحدیثه الطلیّ الطیّب، وكأنّه، فی بیانه، قطعٌ من مسكٍ منثور!..

وماهی إلاّ ساعةٌ، أو تزید قلیلاً، حتى كان القِرى (طعام الضیوف) أمام الضیوف، ونظر هؤلاء إلى الطّعام یقدّم إلیهم،.. إنّه عجلٌ سمینٌ، قد طرح أمامهم مشویاً!.. وفاحت رائحة الشُّواء، فامتلأ من عبقا المكان..

- على اسم الله یاضیوف الرحمن..

قال ذلك إبراهیم، وشمّر عن معصمیه یبتغی تقدیم خالص اللحم لضیوفه.

واعتذر الضیوف عن تناول الطّعام، فلم تمتدّ إلیه یدٌ!..

- أتعتذرون؟.. لن تُغادروا هذا المكان قبل تناول الطّعام، وهذا وقتُه، وربِّ الأرضِ والسّماء!..

وازدادت دهشة إبراهیم عندما توسّم وجوه ضیوفه وأجسامهم، فهؤلاء الّذین أمامه، لیسوا بشراً عادِّیین، وخیّل إلیه، وإنه لكذلك، أنهم ملائكةً هبطوا علیه من السموات العلى!..

ملائكة!..

لذلك فهم لایأكلون، واقشعر بدن إبراهیم، واخذه روع وخوف.. فوجل منهم.. والملائكة- كما یعلم إبراهیم- لایتنزّلون ضیوفاً، ولایهبطون من السماء، عبثاً، بل رسل یحملون أمر الله تعالى إلى من یشاء من عباده!..

فالوقت، أذاً، لیس وقت ترحیب، ولاقرىً، ولا إكرام،..

ویتساءل إبراهیم، والوجل باد علیه: ترى، ماالمهمة التی من أجلها هبط هؤلاء الرسل الكرام؟

واخذ الملائكة یهدّئون من روع إبراهیم، وبددون وجله.. ثم ابتدروه وزوجه مبشرین ایاهما بغلام علیم.

إنه إسحق،... ویضیفون: {ومن وراء إسحق یعقوب}

وینبهر الزوجان العجوزان، وقد بلغا من العمر عنیاً، لهذه البشرى، یحملها إلیهما ملائكة السماء فتصیح سارة، وقد عطّت عینیها بیدین مرتعشتین:

{یاویلتی، أألد وأنا عجوز وهذا بعلی شیخاً، إن هذا لشئٌ عجیب}

وكانت دهشة إبراهیم دون دهشة سارة زوجه العقیم..

فقال بلهجة تنضح بما یشبه اللامبالاة وكانه لایعیر لهذه البشرى كبیر أهمیة:

{ابشّرتمونی على ان مسنی الكبر، فبم تبشرون}

{قالوا: بشّرناك بالحق!..}

وساور إبراهیم احساس خفی، عمیق، بأن تنزل الملائكة یحمل اكثر من بشرى بولادة غلام.. فكأنهم قادمون لأمر أخطر من ذلك وأعظم شأناً!..

- {قال: فما خطبكم أیها المرسلون؟..}

- {قالوا: إنا أرسلنا الى قوم مجرمین} ویشیرون بأیدیهم الى جهة سدوم.

ویوقن إبراهیم بأن العذاب آت، لامحالة، قوم لوط!.. وكأنه طلب إمهالهم، فلعل القوم یتوبون الى بارئهم، ویصلحون.. فأخذ یجادل ملائكة ربه فی ذلك.

وكان الجواب:

{یاإبراهیم اعرض عن هذا، إنه قد جاء أمر ربك، وإنهم آتیهم عذاب غیر مردود}

فیسكت ابراهیم، ویلوذ بالصمت.. ویطوف بباله خیال لوط، فلطالما دعاهم هذا النبی الى سبیل الرشاد، فلم یؤمن به منهم إلا نفر، جد، قلیل!..

- {قال: إن فیها لوطاً..

- {قالوا: نحن أعلم بمن فیها، لننجیّنهُ واهله الا امراتهُ كانت من الغابرین}

وینهض الملائكة، وقد أدوا رسالتهم الى ابراهیم-، داعین لاهل بیت ابراهیم برحمة من الله، وسلام، وینصرفون!..

وما ان تصرم اللیل، الا أقلة، حتى جاء امر الله، فحاق بقوم لوط سوء العذاب.. فقد زلزل الله بهم الارض زلزالاً شدیداً، فاضطربوا أیما اضطراب.. وأتبع الله ذلك بأن جعل عالیها سافلها، ودمرهم تدمیراً.

ویمر المار فی غور الأردن وفلسطین، ویتهیأ للصلاة فی بقعة من هذه الوهاد الممتدات، الطوال، فیقال له: لا تفعل!.. فأنت فی أرض خسف..

فها هنا كانت سدوم، وهناك كانت عمورة، مدینتا قوم لوط!..

* * *

وأخیراً ، رزق الله ابراهیم إسحق، فطابت نفس سارة، أن آتاها الله ولداً رسولاً، كما آتى ضرّتها، من قبل، هاجر، إسماعیل نبیاً...

فكانت فی ذریة خلیل الرحمن إبراهیم النبوة والكتاب... وآتاه الله ماقرّت به عینه، وأثلج به صدره، ..

وشاهد من آیات ربه البیّنات الكثیر الكثیر.. فتحول إیمانه إلى یقین، ولاأرسخ.. وكانت نهایة المطاف...

وأحش أبو الانبیاء بدنوِّ أجله، وبالموت یدب فی أعضائه المرتعشات وكان ذلك فی مدینة "الخلیل" فی فلسطین، حیث أسلم إبراهیم الخلیل وجهه لله حنیفاً مسلماً، ففاضت روحه الشریفة، وقد أغمض عینیه الكریمتین، متمتماً:

- { الحمد لله الذی وهب لی على الكبر إسماعیل وإسحق إن ربی لسمیع الدعاء. رب اجعلنی مقیم الصلاة ومن ذریتی، ربنا، وتقبل دعاء. ربنا اغفر لی ولوالدی وللمؤمنین یوم یقوم الحساب}

صدق الله العلی العظیم

 


النبی ابراهیم الخلیل 2

1387/10/29 01:51 ب.ظ
الارشیف الیومی:الانبیاء فی القران، 

المحاكمة:

وسیق إبراهیم إلى بیت العبادة مخفوراً، وقد استبدّ بالجماهیر فائر الغضب، فصرخت بوجهه، وتناولته بألسنتها، وتطاولت إلیه أیدٍ، فحیل بینها وبینه.. ومَثُلَ إبراهیم أمام كبیر القضاة، وهو نفسُه سادنُ بیتِ العبادة، وقد تدلّت لحیتُه الكّةُ البیضاء على صدره، كالمندیل الناصع البیاض..

ورماه القاضی بنظرة غضبى، وهو یكاد یتمیّز غیظاً، وقد تراقصت شفتاه، لفرط تأثُّرٍ، فلم یأبه إبراهیم لذلك، وتجاهل مایعتری القوم من غضب جارف...

ورانت لحظات صمت ثقال، وقد أخذ إبراهیم مكانه أمام القضاء، شامخاً بالتحدی. وبوجیز العبارة، سألهُ كبیر القضاة!

- {أأنت فعلتَ هذا بآلهتنا یاإبراهیم}

وظهر، وكأن إبراهیم استدرجهم إلى حیث یقصد، من حیث لایشعرون!..

فأجاب، وكأنّه یعبث بأحلامهم:

- {بل فعله كبیرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ینطقون}

وبلمحة البرق الخاطف أدرك الحضور غایة إبراهیم من إبقاء الصنم الأكبر على حاله كالشاهد على ماحدث، فلم یتحوّل، كغیره، جُذاذاً مهشّماً!.

إنّه أسلوب إبراهیم الحسّیُّ فی حوارٍ له، دائماً، وفی نقاشٍ!.. وماعهدوه إلاّ ساطع الحجة، دامغ البرهان!..

فنظروا إلى الصنم الجامد، مشدوهین، حیارى!..

وازدرد القاضی بریقه، مطرقاً، وكذلك فعل من حوله.

فلقد آتى الله إبراهیم من الحجّة البیّنة التی تصل إلى أعماق النّفس، فتُحرّك فیها كوامن الأحاسیس الفطریة، والمشاعر العفویة.

إن إبراهیم لینطق، وأیم الله، بالصواب،... ولقد ظلم القوم انفسهم ظلماً بیّناً باتّخاذهم من الحجر الذی لایُقدّم ولا یؤخّر، ولاینفعُ ولایضُرُّ، رباً معبوداً... وصفعتهُم الخیبة بكفٍّ من جلیدٍ!.. فتراجعوا مقهورین، ونكصوا على أعقابهم، مخذولین!...

- {لقد علمت ماهؤلاء ینطقون}

وهذا ماأرادهُ إبراهیم أن یُفصحوا عنه، ویعترفوا به من تلقاء أنفُسهم، أمّا، وقد اعترفوا هم بذلك، فقد انبلج الحق وبانت الحجّة، وقام البرهان على ذلك والدلیل!.. فما من إله إلا الله الواحد القهّار!..

وهكذا حجّهم إبراهیم بتبیانه، وظهر علیهم ببرهانه،.. وهو، إلى ذلك، مایزالُ یتوجّهُ إلى قرارة أنفسهم، لعلّها تهتدی إلى الحقِّ المبین، وبرد الیقین:

- { قال أفتعبدون من دون الله مالاینفعكم شیئاً ولایضركم. أفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون}.

فانقطعوا!.. وبان علیهم الانكسار!.. وارتسمت على وجوههم علائم الخیبة والخزی... وخافوا على أنفسهم، وعلى مكانتهم بین قومهم، وعلى آلهتهم!... فسعوا للخلاص من هذه الورطة، على أیِّ حال، وحفظ ماء وجوههم كیفما اتّفق،... فلجأوا إلى المكابرة والعناد. والإصرار على الباطل الأثیم، وتذرعوا بالقوة والسُّلطان، یتسترون، بهما، مما حاق بهم من مریر الخذلان!...

فصاحوا: {حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلین}

یانار كونی برداً وسلاماً على إبراهیم

وتسابق القوم یجمعون الحطب الجزل، حتى اجتمع لدیهم منه مایكفی لحرق مدینة بكاملها!...

وكانت المرأةُ المریضة منهم، تنذر، إن شفیت من مرضها، وعوفیت من سقمها، أن تأتی بحمل من الحطب لحرق إبراهیم!..

وتكدّس الحطبُ أحمالاً أحمالاً!..

إنهم بذلك یتشفّون من هذا الذی رماهم بكل ضلال وغیّ، وسفّه أحلامهم، لما جروا علیه من قدیم العادات، واجترأ على تحطیم أصنامهم حتى تركها جذاذاً مُهاناً!...

وأُتی بإبراهیم موثوقاً..

وأُلقی بین أكوام الحطب، ثم كدّس فوقه من الحطب الكثیر،..

وأضرمت بالحطب النارُ، فاستعرت وعلا لهیبُ النّار، وارتفع دخانُها، وسُمِعَ لصوتها فحیحٌ، وكأنها جهنّمُ قد فتّحت أبوابها!..

وصاحت الجماهیر المهووسة، وقد أخذتها سورة الانتقام: مزیداً من النّار، مزیداً من النار!.. فطرح فی النار كلّ مایحترق، فزادت تأججاً وسعیراً، واشتدت زفیراً..

وطرب القومُ، وكأنّهم فی عرسٍ، فالیوم یوم إبراهیم!.. ومَضت ساعاتٍ،... ثم خمدت النار، بعد ذلك، وخبت!...

وتقدم القوم لیروا ماحلّ بإبراهیم!..

فكشفوا عنهُ الجمر الكبیر، من بعید، فسُمِعَ له تقصُّفٌ. ولفح وجوههم من ه وهج مستعر!... فما زال للنّار أوار، بعد، وحرارة، فابتعدوا...

ولكنّ بعضهم لاحظ حركةً تحت الجمر المتّقد، وسمع صوتاً یذكر ربّ الارض والسّماء... فجمد الدّمُ فی عُروقهم!.. وتكاثروا، وازدحموا، وتقدّموا یزیحون الجمر، لایعبأون بلفح وهجة اللاسع!.. وإذا بإبراهیم یخرجُ علیهم من قبل الجحیم، یُزیحُ عنه بیدیه المرتعشتین متلظّی الجمر، وینفضُ الرّماد، ویطأ على النّار، متوجّهاً إلیهم، وهو یرتعدُ برداً!...

فبُهتوا، وعقلت المُفاجأةُ السنتهم، وسلبت الدهشة صوابهم، ففغروا أفواههم محملقین!..

إنها المعجزة الباهرة الكبرى!.. فآمن بإبراهیم نفرٌ من قومه قلیلٌ، لم یجدوا إلا أن یكتُموا إیمانهم، تقیّةً، وحذراً!...

 

إبراهیم ونمرود:

وترامى إلى نمرودٍ الملك - الإله، خبرُ إبراهیم، وتناهت إلیه المعجزة الكبرى. فاستدعاهُ إلیه، ودار بینهما هذا الحوار:

نمرود: مالك ولهذه الفتنة التی زرعتها بین قومك، فكانت بینهم بذار شقاق وخلاف... وأنّی لك أن تتجرّأ على آلهتهم، فتعیبها، وتسبُّها، وتحطّمها، بعد ذلك، تحطیماً، وعلى أحلامهم فتُسفّهها تسفیهاً،... وعلى ما درجوا علیه من قدیم عادات ومعتقدات فتدعوا إلى نبذها؟... وكأنك تعلن علیهم، یا إبراهیم، بذلك، حرباً ضروساً!...

ومن هو هذا الإلهُ، غیری، الّذی تدعو إلى عبادته، وأین تُراه یكون متّخذاً مكاناً؟

وبجنان ثابت، وقلبٍ مفعمٍ بالإیمان والیقین، أجاب إبراهیم، مطمئناً:

- {ربّی الذی یحیی ویمیت...}

ولكنّ نمروداً یكابر، وتأخذه العزّة بالإثم. فللسلطان جبروت طاغ!... فیداور فی جداله، ویراوغ، كالثعلب، مخاتلاً!..

ویتصوّر نفسه مالكاً رقاب النّاس، فهم له سوقة وعبید، وله علیهم سلطان قاهر!... فإن شاء أنعم على من شاء الإنعام علیه، وله أن یسلب نعمة من یرید، إن أراد منه انتقاماً!.. وإن شاء قتل من رعیّته من یشاء، وعفا عمّن یرید، إن رأى صفحاً!...

فهو -والحالة هذه- كإله إبراهیم، یرزق من یشاء، ویحرم من یشاء...

ویقتل من یشاء، فیمیتهُ، أو كأنّه هو الذی أماته..

ویعفو عمن یرید، فیحییه، أو كأنه هو الذی أحیاه..

وتنفرجُ أساریرُ نمرود، وقد التمعت بذهنه هذه الأفكار، فیبادر:

- و{أنا أُحیی وأُمیت}

ویستطرد فی هذا المعنى استطراداً ویمعنُ تمثیلاً وتشبیهاً،.. فلا فرق بینه، إذاً، وبین إله إبراهیم..

و یبتسم إبراهیم بلطف، كالمشفق على هذا الطاغیة الجبّار.. فمتى كان المخلوق خالقاً، ومتى كان المرزوق رازقاً؟..

ولكنه جبروت عزّة السُّلطان!..

ویری إبراهیم نمرود بدیع خلق الله، ورائع حكمته، وعظیم سُلطانه، فی كل ماتقع علیه عین، فی الأرض وفی السماء.. فالله خالق كلّ شئ، وبیده ملكوت كل شئٍ...

فیهزأ نمرود بما یسمع..

عند ذلك یتّجه إبراهیم إلى إثبات عجز خصمه، وخطل رأیه، وسفه جبروته، فیكرُّ علیه موهناً كیده، ویأتیه من حیث لم یحتسب، قائلاً له:

- {إنّ الله یأتی بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب..

 

فبُهت الذی كفر}

وبان علیه العجز، وظهر علیه الحصر، وانقطعت حُجّته، فصمت، مغلوباً، مبهوراً!..

وأوجس نمرود من إبراهیم خیفة.. فهو یمثّل خطراً علیه، جدّیاً، وداهماً... فصرفهُ!.. وبثّ حوله العیون والأرصاد، وتربّص به الدوائر للإیقاع به.

وأحسّ إبراهیم بما یبیِّتُ له هذا السلطان الغاشم،.. وبالتضییق، یأخذ علیه كل طریق، وكل مجال، وسبیل!..

ولم یجد إبراهیم مندوحةً (أی: بُدّاً) من الفرار بنفسه، وبدینه، من هذه الارض التی لم ینم له فیها غرس، وقد بدأ یغزوها قحط وجدب...

وترك قومه، آسفاً، لما سیحلُّ بهم من عذاب ألیم،.. فالله آخذهم، لامحالة، بعد مغادرته إیّاهم، أخذاً وبیلاً!...

ویمّم إبراهیم وجهه شطر فلسطین مهاجراً، وهو یحمل على كاهله، وفی قلبه دیناً سماویاً جدیداً... مستبدلاً بالأهل أهلاً، وبالأوطان أوطاناً!...

 

إبراهیم فی حرّان:

وفی حرّان، على الطرف الشمالی من بلاد الشام، ألقى إبراهیم عصا ترحاله وكان أهل حرّان أیامذاك، یتعاطون علم النجوم والأفلاك... وكان یصل بهم الأمر فی تعظیم بعض النجوم، وتقدیسها، إلى درجة عبادتها.

ورأى إبراهیم منهم ذلك، فأنكره، دون أن یفصح لهم عن هذا الانكار.. ولجأ كعادته، إلى سبیل الحوار، الهادئ، المستطرد، الموصل الى الاقناع والتسلیم.

فلمّا جنّ على إبراهیم اللیل، وكان بین جماعة من الحرّانیین، رأى فی السماء نجماً ساطعاً هلّل له من حوله، ممّن نزل بین ظهرانیهم (أی: بینهم) من أهل حرّان،.. وكبّروا له تكبیراً، وخرّوا له سُجّداً...

فعظم على إبراهیم مارأى.. وتبرّأ إلى الله من أن یُشرك بعبادته أحداً، وتبرّأ من هؤلاء الجهلة، المتظاهرین بالعلم، السادرین فی غیاهب الكفر ومتاهة الضلال!...

ولكن إبراهیم جارى القوم فی ماهم فیه سادرون، متّخذاً ذلك سبیلاً لحجّة إقناعهم، فقال على سبیل المجاراة، ولكن إلى حین:

- {هذا ربی!..}

وبعد ساعات افتقد إبراهیم النجم فلم یجده.. لقد أفَلَ، وغاب، ومعه، أفلت كواكبُ، وغابت نجومٌ، ولایحصیها إلا الله، عدداً!..

فقال: {إنی لاأحبُّ الآفلین.}

ثم عرض بهذه النجوم المتغیّرات، الدّائرات كالحیارى، وهی تسبح فی أفلاكها، وأعلن بغضه لها، وبراءته من عبادتها..

{فلمّا رأى القمر بازغاً قال هذا ربی..}

استدراجاً لهم، ومُجاراةً لعقولهم، وتمشیاً مع ماهم علیه من دینٍ..

{فلما أفل قال لئن لم یهدنی ربّی لأكوننّ من القوم الضالّین}

وهكذا بیّن إبراهیم لمن حوله من عبّاد هذه الكواكب والنجوم، أنّ الله الذی هو خالقُ كل شئ، ورب كل شئ، هول الهادی، والآخذ بید عباده، المتطلّعین إلى عبادته..

ولمّا لم یجد إبراهیم من القوم معترضاً، أعلن براءته من هذه الآلهة التی ماأن تطلع حتّى تغیب،.. ملفتاً أنظار من حوله إلى أن هنالك خالقاً عظیماً، ومدبّراً قدیراً، لكلّ مایتحرك فی جوف سماء، ومایدبُّ على وجه الثّرى. أو یغوص فی لجّة ماء!.. فهو وحده الجدیر أن تتجه إلیه أبصار الناس وبصائرهم، فیتّخذونه إلهاً معبوداً، وربّاً مربوباً!..

{فلمّا رأى الشمس بازغة قال هذا ربّی، هذا أكبرُ..}

وحقّ لإبراهیم أن یقول ذلك، تدرُّجاً، ومجاراةً..

فللشمس نورٌ باهرٌ وسلطانٌ قاهرٌ، أین منه نجم یتحرك فی كبد السماء، على استحیاء، أو قمر یتهادى بخفر فی جوف الظّلماء!...

فلمّا أفلت، أعلن براءته من كل هذه الآلهة جمیعاً بدءاً من النجم الصغیر وانتهاءً بالشّمس أخطر الكواكب طُرّاً!.

فحاجّهُ قومه فی ذلك، فحجّهم، وظهر علیهم. وقد آتاه الله من لدنهُ الحجّة البالغة، وفصلَ الخطابِ!..

وأشفق عبّاد النجوم على إبراهیم، الكافر بعبادتها، المحقّر شأنها، أن تطاله بأذاها، وشرّها المستطیر، فابتسم مستهزئاً بهم، وبما یعتقدون. فهم الأحق أن یطالهم غضب الله، ویعمّهم عذابه الألیم!.

ولمّا رأى ابراهیم إصرارهم على وثنیتهم، عزم على مغادرة هؤلاء القوم الكافرین، فأرضُ الله واسعة، ورحمته وسعت كل شئ، وهو ولی عباده المؤمنین!.. وزاده تصمیماً على ذلك ما شعر به من جفوة القوم إیاه، وتباعدهُم عنه.

یضاف إلى ذلك قحط وجدبٌ عمّا البلاد، وغلاء أسعار أرهق كواهل الناس، فناؤوا تحت فادح وطأته، فجمع أمتعته، وماله، وأخذ بید زوجه سارة، وسار متوجّهاً الى أرض مصر!..

 

إبراهیم فی مصر:

وانتهى بإبراهیم، إلى أرض مصر، المسیر. وكان یحكم مصر فی تلك الحقبة من التاریخ أحدُ ملوك العرب العمالیق..

وشاهد سارة- التی كانت على قسط من الجمال، وافر- أحد بطانة الملك ومستشاریه، فسحرهُ جمالُها الأخاذ، وأخذ یصف لملیكه ماتتمتّعُ به هذه الوافدة الجدیدة إلى أرض مصر من جمال فتّانٍ. فأغرى الملك بها، ولم یلبث الملك أن ارسل من یُحضرها، وزوجها، إلى قصره.

ولمّا مثُل إبراهیم بین یدی الملك، سأله عن هذه الحسناء التی یصحبُها.. فأنكر إبراهیم، على الملك، هذا السؤال، وأوجس منه خیفة، مرتاباً، وانطلق لسانُ إبراهیم بالإجابة: إنّها أختی..

ولم یكذب فی ذلك إبراهیم.. فسارة أختُه فی الدین، وفی اللّغة، وفی الانسانیة. ورفیقةُ دربه فی رحلة هذا العمر الطویل، الملئ بالمشقّات، الزاخر بالصّعوبات.

وصمت الملك، وبان فی عینیه التماع!..

وتنفّس إبراهیم الصُّعداء، فلو أعلن للملك أنها زوجهُ لسعى بكلّ مكیدةٍ كی یتخلّص منه، لتخلصَ سارةُ له وحده، دون العالمین!..

وأمر الملك بسارة الى قصره، یتخذها له زوجاً..

وأسرّ إبراهیم فی أذن زوجه- وهی فی طریقها إلى مخدع الملك-، ماأجاب به الملك من أنها شقیقته، لازوجه.. وأومأت سارة برأسها، وقد أدركت مایرید!..

وأخذ النسروة فی القصر الملكی یعددن سارة للیلة زفافها للملك، فألبسنها فاخر الثّیاب، وزیّنّها بكلّ ثمین، وأحطنها بوفیر البذخ والأبّهة والجلال،...

فذات الحُسن المدلّ، المترف، الآسرة بجمالها لبَّ الملك، یلیق بها كل إكرامٍ!..

وبموكب نسوی، باذخ الأناقة والتّرف، زُفّت الحسناءُ الخلوبُ، عروساً للملك، جدیدة تضاف إلى العشرات غیرها، من نسوة الملك، وحظیّاته، النواعم، كالدُّمى!..

واختلى الملك بها، فوجدها ملتاعة یعصف بها حزن، ویعتصرُها أسىً... وقد أطرقت بنظراتها إلى الأرض، ودموعُها تتحدّر على وجنتیها، كحبَّات درٍّ، فطیّب الملكُ خاطرها. فلیس للملك عهد، بزوجاته، على كثرتهنّ، یقابلنه فی موعد السّعادة، بوجوم حزین، ودمعة حرى، وقد وردن نعمة، وحططن على عیشٍ خصیلٍ (أی: ناعم طیب)، أین منه جنّاتُ النعیم!...

وشعر الملك، شعوراً خفیاً، بأن زوجه هذه من صنف آخر، لاعهد له به، فی من عرف من نساءٍ،.. وأحسّ بقلبه اضطراباً، ووجیباً، ولم یكن لیحسّ بشئ من ذلك طوال ما سلف من عمره...

ومدّ الملك یده إلى عروسه،.. فلم تصل إلیها، بل تعلّقت یده فی الهواء كقطعة من حشب، وكأنّها لیست من لحم ودم!.

أتُراها من الجنّیّات؟..

أم تُراها من السّاحرات العلیمات؟..

فأخذتهُ الرهبة، وعقلت لسانه الدهشة، وحاول، جاهداً، تحریك یده فلم تتحرّك... إنها جامدة كالعود الیابس..

وخیّل الیه أنه أمام امرأة تحرُسُها السماء، وترعاها عنایتها..

فطلب إلیها، متوسّلاً، أن تدعو إلهها، كی یعید إلیه یده، كما كانت،.. معاهداً إیاها ألا یمسّها بعد ذلك، أبداً..

واستجابت سارة لتوسّل الملك، الذی، عادت إلیه یده، جدّ طبیعیة، كما كانت!..

ولّما حوال ثانیة أن یمدّ إلیها یداً، عادت یده متشنّجةً، وقد جمد فیها الدم، وتصلّبت فیها العروق، فهو لایستطیع لها تحریكاً..

ویعاوده الیقین بأنه أمام امرأةً لها قدسیّة وعصمة، لیستا لغیرها من نساء الارض جمیعاً!.

وألحّ الملك من جدید، على سارة أن تدعو له إلهها، فتعود یده سالمة، مقسماً بآبائه الأكرمین، وآلهة مصر جمیعاً ألاّ یقترب منها، وقد رأى الراهین والآیات!..

ومرة ثانیة، تستجیب سارة للملك، وقد حلف لها بكل عظیم،.. فتعود إلیه یده. ثم ینهض إلى النوم وقد اثّاقلت جفونه، فینطرح على سریره، متثائباً، ویغط ملك مصر فی سبات عمیقٍ!..

ویستیقظُ الملك فی صباح الیوم التالی، فینظر إلى سارة، وقد نهضت من مخدعها، وهو شارد النظرات، ثم یحنی لها رأسه بإجلال...

فلقد رأى الملك فی منامه، رؤیا حق، وصدق، أن سارة ذات بعلٍ، وعلى الملك ألاّ یقربها، بل علیه أن یحوطها بالإكرام والإعظام!..

ویُسرعُ الملك باستدعاء إبراهیم، فیُكرمُه، ویعید إلیه زوجه، على عفاف وطُهرٍ،.. ویُكرمُ سارة، وقد عصمها الله، بأمةٍ (أی: عبدةٍ) سوداء، خادمة لها.

ویبقى إبراهیم فی أرض مصر ماشاء الله أن یبقى، على دعةٍ، واطمئنان.. وكان یعمل بدأب، فكثُر رزقه، وتضاعفت مواشیه، واشتهر أمره بین القوم، وعلا ذكره..

ولكنّ، كل ذی نعمة محسود!..

فسرعان ما انقلب الناس على إبراهیم حسداً من عندهم، وبغیاً، وأضمروا له السوء، فجفی، وشعر بالغربة بینهم، وبكرههم إیّاه فصمّم على مغادرتهم إلى أرض فلسطین، التی سبق له أن حلّ فیها ردحاً من الزمن، قصیراً.

وتهیّأ إبراهیم للرّحیل. فجمع قطعانه، والمال الوفیر الذی اكتسبه، وسار بسارة، تصحبُها هاجر خادمتها الجدیدة، میمّماً وجهه شطر الشمال، صُعداً.. إلى أرض فلسطین!..

 


النبی ابراهیم الخلیل 1

1387/10/29 01:41 ب.ظ
الارشیف الیومی:الانبیاء فی القران، 

النبی إبراهیم (ع) خلیل الله
النبی إبراهیم (ع)

ولادة نبی ابراهیم (ع)

كان نمرود بن كنعان ملكاً على بابل.. وكان أهل هذه المدینة یعیشون حینذاك عیشة راضیة، فی رغد نعمة، وبحبوحة، وازدهار!...

وكانوا ینحتون أصناماً یتقرّبون إلیها بالعبادة. أما ملكهم نمورد فكان یقبض على السلطة بید من حدید، حتى أنه ادّعى الربوبیة. فطلب من قومه أن یتخذوه إلهاً،.. فهو الآمر الناهی، وصاحب السلطان، یفعل مایشاء!.. ثم، ألیس هو أجدر بالعبادة من هذه الاصنام الصمّاء، التی لاتنطق ولاتبین، ولاتسدی خیراً ولاتدفع ضراً؟.

فی هذه البیئة التی عمّها الفساد، وفی بلدة صغیرة تدعى (فدام آدام)، ولد إبراهیم لأبیه "آزر"، وترى بعض الروایات أن "آزر" هذا كان جدّ ابراهیم، لاأباه. وهكذا فتح الصغیر عینیه على قوم اتّخذوا الاصنام أرباباً من دون الله.. وكان آزر نحّاتاً. یصنع لقومه التماثیل والأصنام،.. فكان داعیةً لها، ومروّجاً لعبادتها،.. وهكذا كانت تقوم حیاة آزر على الدعوة إلى الإثم، والفتنة، والغوایة، والضَّلال!..

إبراهیم متأمّلاً:

ولكنّ إبراهیم، بما آتاه الله من نور فی قلبه، وهدىً فی بصیرته، ورشاد فی تفكیره فی ملكوت السماء والارض، توصل الى الایمان، بعفویة الفطرة التی فطر الله الناس علیها، بأن لهذه الارض ومن علیها، والسماء التی تزینها الكواكب والنجوم، رباً خالقاً، وحكیماً مدبّراً، وإلهاً صانعاً أتقن خلق كل شئ، وأحكم إنشاءه، فقدّره تقدیراً!...

ولطالما كان یتأمّل فی اللیل نجوم السماء وكواكبها، فبعضها دائم المسیر لایستقر فی مكان فی هذه السماء اللامتناهیة الاتساع، وبعضها كالثابت فی مكانه، لایتحرك أو، هو یظهر كذلك، وماهو بثابت!..

وكان یلاحق القمر بنظراته، متأمّلاً إیّاه، فكأنه بین هذه النجوم، وقد أحاطته هالة من نور شفّاف، كالملك تحفّ به حاشیته، والرّعیّة، فهو یتهادى بینها بزهو وخیلاء!..

وعندما یتقدم اللیل، ینحدر هذا القمر الى الافق الآخر، وكأنه فی ارتحال دائم، لایتوقف!..

وفی الصباح، یتأمّل إبراهیم الشمس، تغزو بنورها الارض من الأفق الشرقی، فتملأها ضیاء، وتغمرها نوراً، وتبعث فیها دفئاً وحیاةً..

وتتهادى فی قُبّة الفلك بعظمة وسلطان، كی تغیب فی الأفق الغربی، متحدّرة الیه بمهابة وجلال. فیهبط على إثر ذلك الظلام، وتبدأ النجوم تتلألا فی كبد السماء ویطلع القمر من جدید، متناقصاً لیلة بعد لیلة، حیناً متزایداً، حیناً آخر، وهكذا تستمر الحیاة بین لیل ونهار، وتعاقب فصول، فی انتظام رتیب مهیب، واتساق عجیب، غریب، فتبارك الله أحسن الخالقین!..

لقد آتى الله إبراهیم رشداً، ورُجحان لبٍّ، ونفاذ بصیرةٍ..

ویتطلّع إبراهیم بعد ذلك إلى قومه، عبدة هذه الأصنام، فیُشفق علیهم، وهم دائبون على التضرّع إلیها، والإعتكاف على عبادتها، وتقریب الأضاحی إلیها، والقرابین!.. كما كان یُشفق إشفاقاً شدیداً على هذا الملیك النمرود، الذی ادّعى أنّه إله، وما هو بذلك، ولیس له ذلك،... فهو إنسان عادی، رغم ماأوتی من عریض مُلك، وعظیم سلطان،.. وهو یحیا، كبقیة الناس الذین حوله، ویجری علیه مایجری علیهم..

فهل باستطاعة هذا المدّعی الألوهیة أن یتدخل فی حركة هذه الكواكب، فیغیّر فی نظامها، أو فی تعاقب هذه الفصول، فیؤخّر بعضها، ویقدّم بعضها الآخر، أو أن یُحیی ویمیت؟... وأنّى له ذلك، إن سوّلت له نفسه هذا الإثم العظیم؟..

وكان إبراهیم یخرج إلى البرّیّة یرعى قطیع أغنام كبیراً، فیسرّح نظرة فی الطبیعة:

هذا عشب ینجم (أی: یطلع) كالطحلب الیوم، سیصیر نبتاً مستویاً على ساقه بعد أیّام، وقد تفتح عن زهر هنا، وانشقّ عن حب هناك..

وذلك برعم صغیر صغیر، كحبّة خردل، لایلبث أن ینمو لیصبح بعد شهور أملوداً (أی: غصناً لیّناً) على شجرة، طریّ العود، وفرعاً منها صلباً، شامخاً، .. بعد سنین!..

إنها الحیاة، تتسق فی إنسان، وفی حیوان، وفی نبات، وربما فی جماد أیضاً، اتّساقاً منتظماً، مقدوراً، فی جمیل معادلة، وبدیع حساب... فلا تفاوت فی صنع، ولاخلل فی تركیب. ولكنها وحدة هائلة، رائعة، بدءاً من الجرم الصغیر، كالذّرّة، لایكاد یبین، وانتهاءً بهذه الأفلاك السابحات فی رحیب السموات، وقد أحسن إنشاءها خالق لها واحد، ومبدع لها قدیر، فأحسن بدیع هندستها، وقدّرها تقدیراً... فیُفعم قلبُ إبراهیم إیماناً بالله. وتسلیماً لحكمته البالغة!...

رب أرنی كیف تحیی الموتى:

وتحدث إبراهیم نفسه، یوماً، حدیثاً غریباً:

- لوشاء الله، لأراك كیف یُبعث الموتى أحیاءً من جدیدٍ...

- أولم تؤمنی یانفسُ؟..

ویزجرها إبراهیم زجراً عنیفاً، وقد خاف علیها من كید الشیطان ووسوستِهِ..

- بلى!... ولكن، لأزداد إیماناً، وثقةً، واطمئناناً.

ویشفق إبراهیم على نفسه، وفیها، حذراً من فتنةٍ تعصف بها فی أودیة المهالك والضلال. ثم یطرق إلى الارض ملیاً، یفكّرُ، ویستعرضُ الأحوال، فیذكر آدم وزوجه اللّذین أخرجهما الشیطان، بوسوسته لهما، من الجنّة، فیستعیذ بالله من الشیطان الرّجیم!... ویعاوده حدیث نفسه، فالأمر لایخرج عن نطاق حظیرة الإیمان بالله، بل الثِّقة به، فلا خطر، إذاً، ولا حرج!..

فیرفع إبراهیم بصره إلى السماء، ضارعاً بقلبٍ سلیم:

{- رب أرنی كیف تحیی الموتى،

قال: أولم تؤمن؟

قال: بلى، ولكن لیطمئنّ قلبی}

وینظر الله إلى قلب إبراهیم فإذا هو طافح بالإیمان حتى الیقین، فلا شكّ یساوره، ولاارتیاب یخامرُهُ، فاتّخذهُ خلیلاً!..

ویستجیب الله تعالى لطلب خلیله إبراهیم، فیأمُرُه أن یأخذ أربعة من الطّیر، مختلفات، فیضمُّها إلیه، ثم یقطع أجسادها حتى تصبح أشلاءً، یوزّعها على قمم أربعة أجبُل، محاذٍ بعضُها بعضاً، ثم یستدعی إبراهیمُ بعد ذلك هذه الطیور إلیه..

ویسرع إبراهیم یفعل ماأشار به الله تعالى علیه، فنفسُه توّاقةٌ إلى مشاهدة آیة البعث قبل یوم البعث، ویقطع أوصال الطیور الأربعة، ثم یوزعها على الجبال.

ویعود إلى مكانه الأول.. ویستدعی إبراهیم إلیه الطیور.. وإذا بأشلائها تتطایر من جبل إلى جبل، فینضم بعضها إلى بعض، كل إلى جنسه ونوعه فتعود، كما كانت، طیوراً، قبل أن تتقطع منها الأوصال، وتُقبلُ نحوه، ساعیةً، مرفرفةً بأجنحتها، لها زقزقةٌ وتغریدٌ، وكأنها تسبّح الله فی ملكوته الأعلى!.. ویفیض قلبُ إبراهیم إیماناً ونوراً، ویطمئن قلبُه اطمئناناً إلى عظیم قدرة الله، تزول الجبال ولایزول!.. وتسكنُ إلى ذلك نفسه سكون الواثق، وقد رأت معجز الآیات، ودامغ البراهین!..

إبراهیم یدعو أباه:

وآتى الله إبراهیم من لدُنهُ حكمة، وحجّة بالغة، فأرسله نبیّاً إلى قومه، یدعوهم إلى عبادة الله الواحد القهّار!.. بدیع السموات والأرض، وربّ العالمین جمیعاً!.

وابتدأ إبراهیم دعوته بأبیه!..

فأبوه نحّات أصنام ماهر، یعیش مما ینحت إزمیله من تماثیل یتّخذها قومُه آلهةً، یعبدونها من دون الله.

ومهّد إبراهیم لدعوته أباه آزر، تمهیداً رفیقاً، رقیقاً، فیه دعةٌ وتلطُّفٌ، وجلیُّ بیان!.. فأثار فیه مكامن عاطفته كأب، وخاطبه بالحسنى، ومنتهى التهذیب، والأدب الجمیل!.

فما الذی یدعوه لعبادة هذه الأصنام التی لاتدفع عن نفسها، أو، عن غیرها، ضُرّاً، ولاتُسدی لهم نفعاً؟..

وأخذ إبراهیمُ، باللّیّن من القول، یزهّدُ أباه فی عمل هذه الأصنام، والعُكوف على عبادتها، وهی رمز الشیطان، الداعیة إلى سبیل الغیِّ والضلال!..

وخاف إبراهیم، أن یستصغر أبوه- وهو الشیخُ الكبیر- شأنه، وهو الفتى الغرُّ، الذی لم تعرُكه، بعدُ، الأیّام، فقال له:

- {یاأبت، إنّی قد جاءنی من العلم مالم یأتك}

فالله یجتبی (أی: یختار) من رسله، من یشاء، ویصطفی من یرید،..

وماكان طول العمر شرطاً من شروط الحكمة، والهُدى، أبداً!.. فَرُبَّ فتىً یافع آتاه الله من الرشد فی عقله، والنور فی قلبه، مالم یؤت أجلاّء الشیوخ!.. ولكنَّ آزر قابل دعوة إبراهیم بالتّجهُّم، والنّفور، والقول الغلیظ،.. منكراً علیه ما یدعوه إلیه،...

فمتى كان للأغرار -على حداثة سنّهم- أن یرشدوا كبار الشیوخ، الذین عجموا عود الحیاة (كنایة عن التجربة والخبرة)، فانتهوا إلى مزیدٍ من خبرةٍ، ومُكتسب تجاریب؟..

ولكن إبراهیم مازال یتلطّف فی دعوة أبیه، الذی هدّده بطردٍ وهجرانٍ...

فأنّی لهذا القلب القاسی، كالحجر الجُلمود، أن یرقّ؟...

وأنّی لهذه البصیرة العمیاء أن یتسرّب إلیها نور الحقّ والإیمان؟.. وما ازداد آزر إلاّ إعراضاً عن إبراهیم، ونفوراً!..

وبطرفٍ باكٍ، وغصّةٍ فی الحلق، ودّع إبراهیم أباه. فلیس للحق أن یجاور الظّلام! ولیس للإیمان أن یعایش الكُفران!.. وقال له، وهو یغادر عتبة البیت:

- {سلام علیك سأستغفر لك ربی إنه كان بی حفیّاً. وأعتزلكم وماتدعون من دون الله وأدعو ربی عسى ألاّ أكون بدعاء ربّی شقیّاً..}

وهكذا اعتزل إبراهیم أباه، كی لایكون له على الكفر ظهیراً!...

إبراهیمُ یدعو قومهُ:

وخرج إبراهیم إلى قومه یدعوهم إلى سبیل الرشاد. وسلك فی دعوته إیاهم طریق الحوار، والجدل الموصل للبرهان المقنع واستدرجهم فی مجادلته إیّاهم:

- {ماهذه التماثیل التی أنتم لها عاكفون}

وأفاضَ قومُهُ فی الحدیث عن أصنامهم، وتناولوها بالتقدیس والتعظیم، فلها حُرمة لاتمسّ، ولها شأنٌ، فی حیاتهم، خطیرٌ!..

ولم یعبأ إبراهیم ببهرج قولهم، إنّه لمزخرفٌ غرورٌ،... وإن هی إلا أصنامٌ اتّخذوها آلهةٌ، فلم اللَّفُّ والدّورانُ؟.

وجابههُم بصریح العبارة، وعفویّ المقال:

- {إنما تعبدون من دون الله أوثاناً وتخلقون إفكاً. إنّ الذین تعبدون من دون الله لایملكون لكم رزقاً، فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له، إلیه تُرجعون}

فاندكّت حجّتهم، وانقطعوا!...

حقاً، إنها لأصنامٌ صمّاءُ، بكماءُ، لاترى ولاتسمعُ، ولاتضرُّ ولاتنفع!.

وخیّل إلى بعضهم أنهم هدوا للقول الصّواب:

- {قالوا وجدنا آباءنا لها عابدین}

إنّ التقلید الاعمى، الذی لایستبصر!.. وتقدیس الأقدمین فی كل مایفعلون. ولو كانوا على غیر هدى!..

{قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم فی ضلال مبین}.

ثم أعلن فیهم دعوته الصُّراح، كفلق الصّباح:

{قال بل ربكم ربّ السموات والأرض الذی فطرهنّ وأنا على ذلكم من الشاهدین}

وانفجر الموقف بین المتخاصمین المتجادلین، وقد توقّف كلٌّ منهم على الرأی المؤمن به، لایعدوه!... ولم یتزعزع موقفُ إبراهیم، وهو یرى اجتماعهم على الضّلال، وتفرّده بالحق...

وراعهُ موقفهم العنید، وخصامهم اللّدود، وكأنّ الشیطان ینفُثُ على ألسنتهم كل كفرٍ وبهتان!..

أمّا، وقد منّ الله علیه، من دونهم، بالهدایة، فلم ینقطع إبراهیم فی كلّ مناسبة، عن دعوتهم إلى الإیمان بالدّین الحق الذی جاءهم به، دین الله الحنیف، وشریعته السّمحاء... ونبذ كل صنم، حجراً كان أم خشباً، محذّراً إیاهم من الوقوع فی حبائل الشیطان، الذی یصُدُّ عن سبیل الله صدوداً..

وصرف ابصارهم، وبصائرهم إلى بدیع خلق الله، وباهر قدرته، وجلیّ حكمته، وعظیم سلطانه، فی أرض وفی سماء، معلناً تسلیمه لأمر الله، وقضائه،... وتمرّده على ماهم علیه من ضلالٍ، وعداوتهُ لهُم ولما یعبدون من دون الله.

- {قال أفرأیتم ماكنتم تعبدون. أنتُم وآباؤكم الأقدمون. فإنّهم عدوٌ لی إلا ربّ العالمین. الّذی خلقنی فهو یهدین. والذی هو یطعمنی ویسقین. وإذا مرضتُ فهو یشفین. والذی یُمیتُنی ثمّ یُحیین. والذی أطمع أن یغفر لی خطیئتی یوم الدّین}

ثم غادرهم بعد أن لم تنفع حُجّةٌ، ولم یُجدِ بُرهانٌ، ولم یُغنِ إنذار، مبیّتاً فی نفسه أمراً خطیراً، له وقعُ الزّلزال تدمیراً!..

 

إبراهیم یُحطّم الأصنام:

كان من عادة قوم إبراهیم أن یخرجوا فی عیدٍ لهم إلى ظاهر المدینة یلهون ویمرحون، بعد أن یتركوا أمام أصنامهم صنوف الطّعام.

ودعوا إبراهیم إلى مشاركتهم فرحة العید، والخروج معهم إلى البرّیّة، لعلّ نفسه تجد فی ذلك استجماماً مما تعانی من حصر وضیق، فتنصرف عن هذه الدّعوة، أو تخفّفُ من حدّة غلوائها، على الأقل!..

فاعتذر إبراهیم إلیهم بأنّهُ مریضٌ..

ولیس المریض جسده، ولكن، نفسه التی كانت تتمزّق على قومه حسرةً وأسىً، لما هم فیه من ضلال، وكفر بأنعم الله!..

ولمّا خلت المدینة من أهلها -وقد خرجوا منها جمیعاً، یسرحون ویمرحون ویلهون- دخل إبراهیم بیت عبادتهم، فوجد الأصنام تملأ رحاب هذا البیت، منها الصغیر، ومنها الكبیر، ومنها دون ذلك، ووجد صنماً ضخماً، یتوسّطها جمیعاً، إنه كبیر هذه الأصنام، فلا شك بأنه عظیم الآلهة، وسیّدُها الخطیرُ!..

ورأى من ضروب الطعام أمامها صُنوفاً، وألواناً!..

فابتسم إبراهیم ابتسامة ازدراء، ورماها بنظرة تنضحُ احتقاراً. فیالهوان هذه التماثیل!..

وتقدم إبراهیم، إلى الأصنام، وكأنه یخاطبها، عابثاً، محتقراً..

ولمّا لم تجب، وأنى لها ذلك؟... قدم إلیها صحاف الطعام الفاخر، طالباً إلیها تناول المستطاب منه. فلم تمتد منها ید.

فصرخ بوجهها، وكأنه یشتمها: مابكم؟.. ألا تنطقون؟.. ولم لاتأكلون؟.. وران (أی:خیّم) على المكان جوٌ ثقیلٌ ثقیلٌ، ورهیبٌ رهیبٌ!...

وتحولت سخریةُ إبراهیم إلى غیظٍ مُحنَقٍ، وقد رأى بعضها مكشِّراً، كمن یضحك،.. مستهزئاً.. واستبدّ به الغضب،.. فتناول من زاویة فأساً انهال بها على الأصنام ضرباً شدیداً فتهاوت أمامه،.. واشتعل غضبُه، وماكان غضبُه إلاّ لله، وأخذ یحطّم من الأصنام الرؤوس والأعناق، فتناثرت تحت قدمیه قطعاً من حجارةٍ!...

ثم غادر بیت عبادتهم، بعد أن امتلأ ركاماً وحُطاماً، باستثناء صنمهم الأكبر، عظیم آلهتهم، فقد أبقى إبراهیم علیه، لغایة فی نفسه، ولسوف تظهر بعد حین!..

وعاد القوم فی آخر النهار منتشین، یهزجون طربین، وتوجّهوا إلى بیت عبادتهم، فرحین! وما أن دخلوه حتى تسمّرت أقدامهم فی مكانها، منذهلین، وقد اقشعرت منهم الأبدان!.. الصنمُ الأكبر، وحده، فی مكانه قائم،... بینما تناثرت بقیّةُ الأصنام إلى قطع من حجارة غصّ بها بیت عبادتهم،... وشعروا، وكأن صفعةً لسعت وجوههم جمیعاً فیاللهوان!..

وصرخ سادنُ البیت (أی: المسؤول عنه) وآخرون:

- {قالوا: من فعل هذا بآلهتنا، إنه لمن الظالمین}

فأجاب بعضهم من أقصى المكان، ممّن سبق لهم وحاوروا إبراهیم:

- {قالوا: سمعنا فتىً یذكرُهم یقال له إبراهیمُ}

إنها فعلة إبراهیم الشنعاء، إذاً، الصارخة بالتحدی والتحقیر!..

وإنهم لیعرفون هذا الفتى جیداً، ینطق بالحجة والبرهان... ولطالما نعى علیهم عبادة هذه الأصنام، مسفّهاً أحلام عابدیها، معلناً براءته منهم ومنها، مظهراً لها لدد الخصام، حتى التهدید!..

وها قد بلغت به الجرأةُ إلى تنفیذ تهدیده، وما توعّد به، فیا للعار!..

وعلت الصّرخات: یاللعار!.. الثأر، الثأر!..

ووجد القوم فی ذلك فرصة سانحة للتخلص، نهائیاً، من إبراهیم.. فهو یستحق على فعلته هذه، كلّ عقابٍ وعذابٍ.. فأرسلوا من یأتی به، لیحاكموهُ على أعین الناس.. وكان یوماً مشهوداً، وقد اجتمع أهل المدینة لیَروا ما سیحلُّ بهذا الفتى الّذی له جُرأةُ المجانین!..


النبی ادریس - ع- الخیاط

1387/10/29 01:36 ب.ظ
الارشیف الیومی:الانبیاء فی القران، 

النبی إدریس (ع) الخیــاط

النبی إدریس (ع)

إسمه وصفاته:

{واذكر فی الكتاب إدریس إنّه كان صدِّیقاً نبیّا} سورة مریم: الآیة56.

توفی نبی الله آدم(ع) أبو البشر، فأوصى لولده شیث الذی قام بأعباء النبوة من بعده حتى وافاه الأجل فأوصى لإبنه أنوش بسیاسة المملكة.. وولد لأنوش كثیر من الأبناء، من بینهم إبنه قینان الذی خلف أباه.

ولد لقینان إبنه مهلائیل الذی صار إلیه الملك بعد قینان، ولمهلائیل هذا إبن إسمه یارد حكم بعد أبیه ورزقه الله بإدریس النبی(ع).

فی بابل من أرض العراق ولد إدریس بن یارد بن مهلائیل بن قینان بن أنوش بن شیث بن آدم أبی البشر(ع)، وفی بابل نشأ وترعرع، فی أسرةٍ كریمة الحسب والنسب، فتعلّم علم جدِّ جدِّ أبیه، شیث بن آدم (ع)، وأقام فی السَّهلة.

ومن أرض العراق إنطلق إدریس یجوب البلاد مبشّراً برسالة آدم وشیث، فوصل إلى مصر، وبقی فیها، حیث كان الیونانیون أهل علم وفلسفة، فعرفوه، وقدّروا علمه وتعرفوا إلى رسالته فسموه هرمس الهرامسة، أی حكیم الحكماء.

ویذكر بعض المؤرخین، أنّ إدریس هو إلیاس الذی ورد ذكره فی القرآن الكریم، ویذكر آخرون أنّ إدریس(ع) مذكورٌ فی التوراة العبریة وإسمه أخنوخ، وفی التوراة العربیة وإسمه خنوخ.

ویُروی أنّ إدریس(ع) كان رجلاً مدید القامة، حسن الوجه، براق العینین أكحلهما، كثّ اللحیة، عریض الصدر والمنكبین، ضخم البطن، متقارب الخطو، یمشی ونظره إلى الأرض، كثیر الصمت قلیل الكلام بطیئهُ إذا تكلم، كثیر التفكیر، عبوساً یحتدّ إذا ما غضب، ولكنه كان محتسباً صبوراً: {وإسماعیل وإدریس وذا الكفل كلُ من الصابرین} سورة الانبیاء: الآیة 85.

ویُذكر أنّه (ع) كان یسبّح النهار ویصومه، ویبیت حیثما جنّه اللیل، وأنّه كان یصعد له من العمل الصالح إلى السماء، مثلما یصعد لأهل الأرض كلهم. وقد سمی إدریس بهذا الإسم، لكثرة مدارسته الكتب السماویة وما فیها من الحكم والأحكام.

علم إدریس وعمله:

یذكر المؤرخون أنّ إدریس(ع) كان أوّل من خطّ بالقلم، وأنّ الله سبحانه علّمه الكثیر من العلوم، ذلك أنّ الناس كانوا فی زمانه یتحدثون باثنتین وسبعین لغة، علّمه الله إیاها، لیعلِّم كلّ أناس بلغتهم.

وكان(ع) عالماً بالنجوم والحساب وعلم الهیئة، وكانت هذه معجزته(ع) وقد بالغ بعضهم، فذكر أنّ جمیع العلوم التی كانت قبل طوفان نوح(ع) كانت من تعلیم إدریس(ع).

ویحكى أنّ إدریس(ع) كان یعمل خیاطاً، ویذكر إنّه أول من خاط الثیاب بالإبرة ودرزها، وقد كان الناس قبله یلبسون جلود الحیوانات التی یصطادونها أو یقتلونها.

وقد ولد له(ع) على مایذكر المؤرخون إبنه متوشالح أبو لامك، ولامك هذا هو أبو نبی الله نوح(ع). فیكون إدریس جداً لأبی نوحٍ(ع).

نبوة إدریس(ع):

یحكى أنه كان فی زمن إدریس(ع) ملك ظالم جبار، وكانت له زوجة من الأزارقة. وذات یوم خرج ذلك الملك للتنزه فی الحقول والبراری، فمرَّ بأرضٍ خضرة نضرة، فأعجبته خضرتها ونضرتها، فسأل عن صاحبها فقیل له: إنها لفلانٍ من الناس.

وأرسل الملك الجبار إلى صاحب الأرض، فجاءهُ، وهو على خیر دینه. قال له الملك الجبار: أترك لی أرضك أتمتع بها؛ قال صاحب الأرض: إنّ عیالی أحوج إلیها منك. فقال له: بعنی إیاها. فأبى الرجل ورفض أن یبیع أرضه.

وعاد الملك الجبار إلى قصره غاضباً مقهوراً، وراح یفكر كیف یأخذ الأرض من صاحبها، فأصابه همٌّ وغمٌّ كبیران. فلما رأته زوجته على تلك الحال، سألته عن السبب، فحكى لها قصته مع الرجل صاحب الأرض، وما كان من أمره.

قالت زوجة الملك الجبار: لماذا لاتقتله وتأخذ أرضه؟ فإن كنت تكره أن تقتله بغیر سبب، فاترك الأمر إلیّ وأنا أتدبره، وأصیِّر أرضه لك..

وبعثت زوجة الملك إلى جماعة من الأزارقة فجاؤوها، فأمرتهم أن یشهدوا على صاحب الأرض أنّه على غیر دین الملك، فشهدوا علیه بذلك، فقتله الملك وأخذ أرضه.

وغضب الله سبحانه لذلك الرجل، فأوحى إلى إدریس، فكان بدء نبوته(ع): أن إذا لقیت عبدی ذلك الملك الجبار، فقل له: أما رضیت أن قتلت عبدی المؤمن، حتى أخذت أرضه وأحوجت عیاله من بعده.. أما وعزتی وجلالی لأنتقمنَّ له منك فی الآجل، ولأسلبنّك ملكك فی الحیاة الدنیا، ولأخربنَّ مدینتك، ولأطعمنّ الكلام لحم امرأتك، فقد غرّك حلمی عنك وأناتی.

ذهب إدریس (ع) إلى ذلك الملك، بأمر ربه، وأبلغه رسالته إلیه، فما كان من الملك الجبار إلاّ أن طرد إدریس، وهدّده بالقتل، بعد ما زینت له امرأته ذلك، وهوَّنت علیه أمر إدریس ورسالته قائله له: لایهولنّك رسالة إله إدریس... أنا أرسل إلیه من یقتله فتبطل رسالة إلهه.

وكان لإدریس(ع) أصحاب مؤمنون یأنس بهم، فأخبرهم بخبر رسالة الله إلى الملك الجبار، وبردّه علیها. فأشفقوا على إدریس، وخافوا علیه القتل، وحذروه من الملك وزوجته.

وفعلاً، بعثت امرأة الملك الجبار جماعة من قومها الأزارقة، لیقتلوا إدریس(ع)، فتفرقوا یبحثون عنه فلم یجدوه، وعرف أصحاب إدریس(ع) بالأمر، فقالوا له: خذ حذرك یا إدریس، واخرج من هذه المدینة، فإن الملك قاتلك إن لم تفعل.

جمع إدریس(ع) فی المدینة رهطاً من أصحابه، ولما كان السحر ناجی ربه قائلاً: یارب، إنّ الملك الجبار توعدنی بالقتل، فماذا أفعل؟ فأوحى الله إلیه: أن أخرج من مدینته، وخلنی وإیاه، فوعزتی لأنفذنَّ فیه أمری.

فقال إدریس(ع): إنّ لی إلیك یاربّ حاجة؟ فقال الله جل وعلا: سلها، تُعطها یا إدریس. قال إدریس(ع): أسألك یاربّ أن تمسك السماء على أهل هذه المدینة وماحولها، فلا تمطرهم حتى أسألك ذلك. قال الله سبحانه وتعالى: إذن تخرب المدینة ویجوعَ أهلها. فقال إدریس(ع): وإن خربت، وإن جاعوا.. قال تعالى: إنی أعطیتك یاإدریس ماسألت..

وأخبر إدریس إصحابه بحبس المطر عن المدینة، وخرج وخرجوا معه وهم عشرون رجلاً، ثم تفرقوا فی القرى، وآوى إدریس(ع) إلى كهفٍ فی الجبل، وقد وكّل الله به ملكاً یأتیه بطعامه وشرابه عند كل مساء.

وخربت المدینة، وأنهار مُلكُ الملك الجبار، إذ سلّط الله علیه جباراً آخر، سلبه مُلكه وقتل زوجته وأطعم الكلاب لحمها.

وظلّت السماء محبوسة القطر عشرین سنة لاتمطر، حتى صار أهل تلك المدینة یجمعون الطعام من القرى المجاورة، ویتمنون أن یرجع إدریس إلیهم، لیدعو ربه أن یبعث المطر. ثم إنهم أجمعوا أمرهم على أن یتوبوا إلى الله، ویسألوه أن یُرسل السماء علیهم مدرارا...

وهكذا كان، فقاموا على الرماد، ولبسوا المسوح، وحثوا التراب على رؤوسهم... فتاب الله علیهم، وهو التواب الرحیم.

وأوحى الله إلى إدریس(ع)، أن قد تاب قومك، وقبلت أنا توبتهم، وكنت أنت قد سألتنی أن أمنع المطر عنهم، وألا أرسله إلاّ إذا سألتنی ذلك، فسلنی یاإدریس... فقال إدریس(ع): أللهم إنی لاأسألك. فأوحى الله عزوجل إلى الملك الذی كان یأتیه بطعامه وشرابه، أن یمتنع عن ذلك. فلما أمسى إدریس لم یؤت بطعام ولاشراب، فجاع وحزن.. وكذلك فی الیوم التالی، فلما اشتد جوعه ناجى ربّه قائلاً: یارب، حبست عنی رزقی من قبل أن تقبض روحی... فأوحى الله إلیه: یاإدریس، جزعت أن حبست عنك طعامك ثلاثة أیام ولیالیها، ولم تجزع ولم تنكر جوع أهل مدینتك وجهدهم عشرین عاماً، وقد سألتك لجهدهم ورحمتی إیاهم، أن تسألنی أن أمر السماء علیهم، فلم تسألنی وبخلت علیهم بمسألتك إیای، فأذقتك الجوع فقلَّ اصطبارك، وظهر جزعك، فاهبط من موضعك، واطلب لنفسك المعاش، فإنی قد وكلتك فی طلبه إلى حیلك.

وهبط إدریس(ع) من كهفه، وراح یطلب أكلة من جوع، فرآى الدخان یتصاعد من احد منازل المدینة، فقصده فإذا فیه امرأة عجوز تقلی قرصین على مقلاة. فقال لها: أطعمینی أیتها العجوز، فإننی جائع مجهود. قالت العجوز: یاعبد الله، ماتركت لنا دعوة إدریس فضلاً نطعمه أحدا... وحلفت له أنها لاتملك شیئاً غیر القرصین، ثم قالت له: إذهب واطلب المعاش من غیر أهل هذه المدینة.

وكان إدریس(ع) لایقوى على المشی من شدة الجوع، فقال لها: یاأمة الله.. أطعمینی ماأُمسك به روحی، وتحملنی به رجلای حتى أطلب... قالت: إنما هما قرصان: واحد لی والآخر لابنی، فإن أطعمتك قرصی مِتُّ من الجوع، وإن أعطیتك قوت ابنی مات هو الآخر. فقال لها: إنّ ابنك صغیر یكفیه نصف قرص فیحیا به، وأنا یكفینی النصف الآخر فأحیا به.. فأكلت العجوز قرصها، وقسمت الآخر نصفین، فأعطت إدریس نصفاً وابنها النصف الآخر.

وما أن رأى ابن العجوز إدریس یأكل من قرصه، حتى اضطرب ومات.. فقامت أمه: یاعبد الله، قتلت ولدی جزعاً على قوته... قال إدریس(ع): فأنا أحییه لك بإذن الله، فلاتجزعی.

وأخذ إدریس بعضدی الصبی ثم قال: أیتها الروح الخارجة من جسم هذا الغلام، بإذن الله تعالى، إرجعی إلى بدنه بإذن الله.. أنا إدریس النبی. فرجعت الروح إلى بدن الصبی بإذن الله..

سمعت المرأة كلام إدریس، ورأت ابنها وقد عادت إلیه الحیاة بعد موته، فقالت: أشهد إنك لأنت إدریس... وخرجت من بیتها تصرخ بأعلى صوتها: أبشروا بالفرج، فقد عاد إدریس إلى مدینتكم.

ومضى إدریس(ع) حتى وصل إلى موضع مدینة الملك الجبار الأول، فتهافت الناس علیه، من أطراف المدینة، تهافت الفراش على النور، وراحوا یرجونه أن یرحمهم، ویدعو الله لهم، حتى یأتیه الملك الجبار الثانی، الذی سلب ملك الجبار الأوّل، ماشیاً حافیاً مع أهل مدینته، لیتأكد أنهم تابوا إلى الله، ولن یؤذوه من جدید.

وعرف الجبار بأمر إدریس(ع)، فبعث أربعین رجلاً لیأتوه به، فلما وصلوا إلیه، أخبروه أنهم بمعوقون لیأخذوه إلى الملك، فدعا إدریس علیهم، فماتوا جمیعهم.

وأرسل الملك الجبار بعدهم خمسمئة رجل، عسى أن یأتوه بإدریس(ع). فلما وصلوا إلیه، وعلم أنهم جاؤوا لیأخذوه إلى الملك، قال لهم: أما ترون مصارع أصحابكم، فإیاكم أن تفعلوا ما أمركم به الملك الجبار، فیكون مصیركم كمصیرهم.

فقالوا: یاإدریس، أما عندك من رحمة... أهلكتنا بالجوع والعطش عشرین عاماً، وترید أن تدعو علینا بالموت؟ أفلا تدعو الله أن یمطر السماء؟ قال إدریس(ع): لن أفعل حتى یأتینی ملككم، وأهل مدینتكم مشاة حفاة.

ورجع الرجال إلى الملك الجبار، وراحوا یرجونه أن یمشی معهم حافیاً إلى إدریس(ع)، وإلا هلكوا جمیعاً، فسار الملك الجبار ومن خلفه أهل المدینة إلى إدریس، حتى ركعوا بین یدیه، فقال إدریس(ع): أمّا الآن، فسأدعو ربی أن یرسل السماء علیكم مدرارا.

دعا إدریس(ع) ربه أن تمطر السماء علیهم وعلى نواحیهم، فما هی إلا لحظة حتى ظللتهم غمامة من السماء، فأبرقت وأرعدت، ثم هطلت علیهم حتى ظنوا أنه الغرق.

وأقام إدریس(ع) یدعو إلى عبادة الله الواحد الأحد، كما فی شریعة آدم وشیث(علیهما السلام) فكان الناسُ یجیبونه واحداً تلو الآخر، حتى صاروا ألف رجل.

ولم تكن لإدریس(ع) طریقة خاصة فی العبادة، فاختار سبعة من أصحابه وقال لهم: تعالوا یدعو بعضنا ویؤمن البعض الآخر. ورفعوا أیدیهم إلى السماء بالدعاء، فنبّأ الله سبحانه إدریس، ودلّه على طریقة عبادته، وكانت مكة هی القبلة التی یتوجه إلیها فی صلاته وعبادته.

وأخذ إدریس(ع) یعلِّم أصحابه وأتباعه كیف یعبدون ربهم سبحانه، فكانوا یطیعونه، ویطبقون تعالیمه، حتى أ، الملائكة كانوا فی زمانه (ع) یصافحون الناس، ویسلمون علیهم، ویكلمونهم ویجلسون إلیهم، لصلاح ذلك الزمان وأهله.

صحف إدریس(ع):

علّم إدریس(ع) قومه كیف یبنون المدن، فبنوا مئة وثمانی وثمانین مدینة. ثم جعل لكل مدینة علماء ومرشدین یعلّمون الناس، ویهدونهم إلى طاعة الله وعبادته، ویأمرون بالمعروف وینهون عن المنكر، ثم إنه(ع) وقد أتباعه بأنبیاء یأتون من بعده، ووصفهم لهم، وعرّفهم أن النبی یكون معصوماً من الخطأ، خالیاً من العیوب الأخلاقیة، والأفعال السیئة، كامل الفضائل، لایعجز عن الإجابة على أی سؤال یتعلق بأمر الدنیا والآخرة، وأنّه مستجاب الدعوة فی كل مایطلبه من الله.

وعن النبی محمد(ص): أن الله أنزل على إدریس ثلاثین صحیفة. وقد أُثرت عنه(ع) العلوم والحكم والنصائح والأدعیة الكثیرة، ویذكر المؤرخون أنه كانت له(ع) مواعظ وآداب تجری مجرى الأمثال. وقد مرّ معنا أن كلّ العلوم التی عرفت قبل طوفان نوحٍ(ع) كانت من تعلیم إدریس(ع).

وقد نسبت إلى إدریس أمور وأحداث وأعمال، أقلُّ مایُقال فیها: إنها خرافیة، ولایمكن أن تصدر عن نبی من أنبیاء الله، ولا یقرّها عقل بشری سویّ.

ومّما جاء فی الصحف التی أنزلها الله تعالى على إدریس(ع) قوله: "كأنك بالموت وقد نزل بك، فاشتدّ أنینك، وعرق جبینك، وتقلّصت شفتاك، وانكسر لسانك، ویبس ریقك، وعلا سواد عینیك بیاض، وأزبد فوك، واهتزّ جمیع بدنك، وعالجت غصص الموت وسكرته ومرارته وزعقته، ونودیت فلم تسمع، ثم خرجت نفسك وصرت جیفة بین أهلك؛ إنّ فیك لعبرة لغیرك، فاعتبر فی معانی الموت. إنّ الذی نزل بغیرك نازل بك لامحالة"...

ومن مواعظه وأدبه (ع) قوله: لن یستطیع أحد أن یشكر الله على نعمه، بمثل الإنعام على خلقه.. وقوله(ع): من أراد بلوغ العلم وصالح العمل، فلیترك من یده أداة الجهل وسیّئ العمل... فحبّ الدنیا وحبّ الآخرة لایجتمعان فی قلبٍ أبداً.

ومن الأدعیة المأثورة عن النبی إدریس(ع)، دعاء السحر المشهور، الذی یقرأ فی أسحار شهر الله تعالى، شهر الصیام المبارك، وهو یحتوی أربعین إسماً من أسماء الله الحسنى، وأوله: سبحانك لا إله إلاّ أنت یارب كل شئٍ ووارثه.

كما أثر عنه الدعاء المعروف بدعاء التوسل، وفیه توسل إلى الخالق جلّ ذكره، بذكر أربعین إسماً من أسمائه جلّ وعلا، وابتهالٌ إلیه، وطلب الأمان من بلاء الدنیا وعقوبات الآخرة.

{ورفعناه مكاناً علیّاً} سورة مریم: الآیة57

یروى أنّ ملكاً من الملائكة غضب الله علیه وطرده من السماء الى الأرض، فجاء إلى إدریس(ع) وطلب منه أن یشفع له عند ربه، فصلّى إدریس(ع) ثلاث لیالٍ، لایفتر، وصام أیامها لایفطر، ثم طلب إلى الله فی السحر أن یرضى عن ذلك الملك، فرضی الله عنه وسمح له بالعودة إلى السماء.

قال الملك: یانبیّ الله، إننی أرید أن أشكرك فاطلب إلیَّ حاجة.. فقال إدریس(ع): أرید أن ترینی ملك الموت، لعلنی لا أستوحش، بعد ذلك من ذكره. فإننی ما ذكرته إلا فارقنی الهناء.

بسط الملك جناحیه وقال لإدریس(ع): إركب، فركب إدریس وصعد به الملك إلى سماء الدنیا، فلم یجدا ملك الموت، فظلَّ یصعد به حتى وجدا ملك الموت بین السماءین: الرابعة والخامسة.

كان ملك الموت متجهما عابساً، فساله الملك الذی یحمل إدریس(ع): مالی أراك مقطباً؟ فردّ ملك الموت قائلاً: إننی كنت تحت ظِل العرش، فأمرت أن أقبض روح نبی الله إدریس، بین السماءین الرابعة والخامسة، فتعجبت لذلك.

وسمع إدریس(ع) كلام ملك الموت، فانتقض من جناح الملك، ولكن ملك الموت قبض روحه حیث هو، وكان عمره(ع) على مایذكر الرواة والمؤرخون مایقارب الثلاثمئة سنة.

ویُروی أن ملك الموت طلب إلى الله سبحانه أن یأذن له بزیارة إدریس(ع) حتى یسلّم علیه ویصحبه، فأذن الله له، فنزل ملك الموت إلى إدریس. وإدریس لایعرفه، فقال له: إنی أرید أن أصحبك؛ فوافق إدریس(ع)، فكانا یسیحان النهار ویصومانه، فإذا حلّ الظلام جاء إدریس طعامه فأفطر ودعا ملك الموت للإفطار فیقول: لاحاجة لی فیه، ثم یقومان فیصلیان.

واستمرا على هذه الحال أیاماً، إلى أن مرّا بكرم عنب قد أینع ثمره، وقطیع غنم قد سمنت خرافه، فقال ملك الموت إدریس(ع): خذ من هذا القطیع حملاً، ومن هذا العنب وافطر علیه. فقال إدریس(ع) سبحان الله! أدعوك إلى مالی فتأبى، ثم تدعونی إلى مالِ غیرك وتریدنی أن أقبل به؟.

ثم قال إدریس(ع): یاهذا قد صحبتنی وأنا لاأعرفك، فمن أنت؟. قال: أنا ملك الموت. فقال إدریس(ع): لی إلیك حاجة. قال ملك الموت: وما حاجتك؟. قال إدریس(ع): تصعد بی إلى السماء.

واستأذن ملك الموت ربّه فی ذلك، فأذن له، فحمل إدریس على جناحه وصعد به إلى السماء. فقال إدریس(ع): إنّ لی إلیك حاجة أخرى. قال ملك الموت: وماهی؟ قال: بلغنی أنّ الموت شدیدٌ على الإنسان، فأحبّ أن أجرّبه فأعرف كیف هو.

وعاد ملك الموت إلى استئذان الله فی ذلك، فأذن له، فأخذ روح إدریس وأماته ساعةً ثم ردَّ روحه إلیه وقال له: كیف رأیت الموت؟ قال إدریس(ع): لهو أشدُّ مما كنت أعتقد... ولكن لی إلیك حاجة ثالثة: أریدك أن ترینی النار والجنة.

إستأذن ملك الموت ربه للمرة الثالثة، فأذن له، وأمر زبانیة جهنم ففتحوها، فلما رآها إدریس أغمی علیه. ولما أفاق حمله ملك الموت إلى الجنة، وقد فتحها خزنتها لأمر الله لهم، فدخل إدریس إلیها، ونظر إلى جمالها وبهائها ثم قال: یاملك الموت: إنَّ الله تعالى یقول: {كل نفس ذائقة الموت}سورة آل عمران/آیة185 وقد ذقته، ویقول فی جهنم: {وإن منكم إلاّ واردها}سورة مریم/آیة 71، وقد وردتها، ویقول فی الجنة: {وما هم منها بمخرجین}سورة الحجر/آیة 48، فما كنت لأخرج منها.

فقال الله لملك الموت: إنّ إدریس إنما حاجّك فحجّك بوحی، وأنا الذی هیأت له تعجیل دخول الجنة، فإنه كان یتعب نفسه وجسده فی طاعتی، فكان حقاً علیّ أن أعوِّضه، من تعبه، الراحة والطمأنینة، وأن أجعل له، بتواضعه لی وصالح عمله، مكاناً علیاً فی جنتی.

{أولئك الذین أنعم الله علیهم من النبیین من ذریة آدم}سورة مریم/آیة 58.

یقول أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب(ع): إنّ الله رفع إدریس مكاناً علیاً، وأطعمه من تحف الجنة بعد وفاته؛ ویقول الله عزّ من قائل: {وأدخلناهم فی رحمتنا إنهم من الصالحین} سورة الأنبیاء/آیة 86.. فسلام على

إدریس، والحمد لله رب العالمین.

 


ادم - ع - ابو البشر

1387/10/29 01:30 ب.ظ
الارشیف الیومی:الانبیاء فی القران، 

النبی آدم (ع) ابوالبشر

النبی آدم (ع)

 

علة خلق آدم (ع)

یروى أن الأرض كانت، قبل خلق آدم (ع)، معمورة بالجن والنسناس والسباع، وغیرها من الحیوانات، وأنه كان لله فیها حجج وولاة، یأمرون بالمعروف وینهون عن المنكر.

وحدث أن طغت الجن وتمردوا، وعصوا أمر ربهم. فغیروا وبدلوا، وأبدعوا البدع، فأمر الله سبحانه الملائكة، أن ینظروا إلى أهل تلك الأرض، وإلى ما أحدثوا وأبدعوا، إیذاناً باستبدالهم بخلق جدید، یكونون حجة له فی أرضه، ویعبد من خلالهم.

ثم إنه سبحانه وتعالى قال لهم: {إنی جاعلٌ فی الارض خلیفة}. فقالوا: سبحانك ربنا: {أتجعل فیها من یفسد فیها ویسفك الدماء} كما أفسدت الجن؟ فاجعل الخلیفة منا نحن الملائكة، فها نحن {نسبِّحُ بحمدك ونقدِّسُ لك}، ونطیعك ما تأمرنا. فقال عزّ من قائل: {إنّی أعلمُ مالاتعلمون}.

وبعث اللهُ الملك جبرائیل (ع) لیأتیهُ بترابٍ من أدیم الأرض، ثم جعله طیناً، وصیَّرهُ بقُدرتهِ كالحمإ المسنون، ثم كالفخّار، حیث سوّاه ونفخ فیه من روحه، فإذا هو بشرٌ سویّ، فی أحسن تقویم.

خلق حواء وزواج آدم منها

سمّى اللهُ سبحانه وتعالى مخلوقه الجدید، آدم، فهو الذی خلقه من أدیم الأرض، ثم إنه عزّوجلّ، خلق حوّاء من الطین الذی تبقى بعد خلق آدم وإحیائه.

ونظر آدم (ع) فرأى خلقاً یشبهه، غیر أنها أنثى، فكلمها فردت علیه بلغته، فسألها: "من تكون؟" فقالت: "خلق خلقنی الله".

وعلَّم اللهُ آدمَ الأسماء كلها، وزرع فی نفسه العواطف والمیول، فاستأنس بالنظر إلى حوّاء والتحدث إلیها، وأدناها منه، ثم إنّهُ سألَ الله تعالى قائلاً: "یاربّ من هذا الخلقُ الحسن، الذی قد آنسنی قربه والنظر إلیه؟!" وجاءه الجواب: "أن یاآدم، هذه حوّاء.. أفتحبُّ أن تكون معك، تؤنسك وتحادثك وتأتمر لأمرك؟" فقال آدم (ع): "نعم یاربّ، ولك الحمدُ والشكرُ مادمتُ حیا." فقال عزّوجلّ: "إنّها أمتی فاخطبها إلیّ". قال آدم (ع): "یارب، فإنی أخطبها إلیك، فما رضاك لذلك؟" وجاءه الجواب: "رضای أن تعلمها معالم دینی.." فقال آدم(ع): "لك ذلك یارب، إن شئت". فقال سبحانه: "قد شئت ذلك، وأنا مزوجها منك".

فقبل آدم بذلك ورضی به.

تكریم الله لآدم ورفض إبلیس السجود له

أراد الله عزوجل، أن یعبد من طریق مخلوقه الجدید، فأمر الملائكة بالسجود إكراماً له، بمجرد أن خلقه وسواه ونفخ فیه من روحه، فخرت الملائكة سُجّداً وجثیّا.

وكان إبلیس، وهو من الجن، كان فی عداد الملائكة حینما أمرهم الله بالسجود إكراماً لآدم(ع). وكان مخلوقاً من النار، شدید الطاعة لربّه، كثیر العبادة له، حتى استحق من الله أن یقربه إلیه، ویضعه فی صف الملائكة... ولكن إبلیس عصى هذه المرّة الأمر الإلهی، بالسجود لأدم(ع)، وشمخ بأنفه، وتعزز بأصله، وراح یتكبر ویتجبر، وطغى وبغى، وظل یلتمس الأعذار إلى الله سبحانه، حتى یعفیه من السجود لآدم(ع).

وما فتئ یتذرّعُ بطاعته لله وعبادته له، تلك العبادة التی لم یعبد الله مثلها ملكٌ مقرَّب، ولانبیٌّ مرسل... وأخذ یحتجُّ بأنّ الله خلقه من نار، وأن آدم مخلوق من تراب، والنار خیر من التراب وأشرف: {قال: أنا خیرٌ منه، خلقتنی من نارٍ وخلقته من طین}. {أأسجد لمن خلقت طینا}!.

ولما كان الله سبحانه وتعالى، یرید أن یُعبَدَ كما یُرید هو، ومن حی یرید، لاكما یرید إبلیس اللعین هذا، صب علیه سوط عذاب، وطرده من الجنة، وحرّمها علیه، ومنعه من اختراق الحجب، التی كان یخترقها مع الملائكة (ع).

ولما رأى إبلیس غضب الخالق علیه، طلب أن یجزیه الله أجر عبادته له آلاف السنین، وكان طلبُه أن یمهله الله سبحانه فی الدنیا إلى یوم القیامه، وهو ینوی الإنتقام من هذا المخلوق الترابی، الذی حُرِمَ بسببه الجنة، وأصابته لعنة الله. كما طلب أیضاً، أن تكون له سلطة على آدم وذریّته، وظلّ یكابر ویعاند، ویدّعی أنّهُ أقوى من آدم، وخیر منه: {قال: أرأیتك هذا الذی كرّمت علیّ، لئِنْ أخّرتنِ إلى یوم القیامة، لأحتنكنَّ ذریته إلاّ قلیلاً}.

آدم (ع) یستعین بالله

أعطى الله سبحانه وتعالى، أعطى إبلیس اللعین ماطلبه وأحبه من نعیم الدنیا، والسلطة على بنی آدم الذین یطاوعونه، حتى یوم القیامة، وجعل مجراه فی دمائهم، ومقرّه فی صدورهم، إلا الصالحین منهم، فلم یجعل له علیهم سلطانا: {قال: إذهب فمن تبعك منهم فإنّ جهنم جزاؤكم جزاءً موفورا... إنّ عبادی لیس لك علیهم سلطان وكفى بربك وكیلا}.

وعرف آدم ذلك، فلجأ إلى ربّه مستعصما، وقال: "یا ربّ! جعلت لإبلیس سلطة علیّ وعلى ذرّیتی من بعدی، ولیس لقضائك رادٌّ إلاّ أنت، وأعطیته ما أعطیته، فما لی ولولدی مقابل ذلك؟" فقال سبحانه وتعالى: "لك ولولدك: السیئة بواحدة، والحسنة بعشرة أمثالها" فقال آدم (ع): "متذرعاً خاشعا: یارب زدنی، یارب زدنی". فقال عزّوجلّ: "أغفِرُ ولاأُبالی" فقال آدم (ع) "حسبی یارب، حسبی".

نسیان آدم وحواء وخطیئتهما

أسكن الله سبحانه آدم وحواء الجنة، بعد تزویجهما: {وإذ قلنا یاآدم أسكن أنت وزوجك الجنة} وأرغد فیها عیشهما، وآمنهما، وحذّرهما إبلیس وعداوته وكیده، ونهاهما عن أن یأكلا من شجرة كانت فی الجنة، تحمل أنواعاً من البر والعنب والتین والعناب، وغیرها من الفواكه مما لدّ وطاب: {وكلا منها رغداً حیث شئتما ولاتقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمین}.

وجاءهما الشیطان بالمكر والخدیعة، وحلف لهما بالله أنه لهما لمن الناصحین، وقال: إنی لأجلك یاآدم، والله لحزین مهموم... فقد أنست بقربك منی... وإذا بقیت على هذا الحال، فستخرج مما أنت فیه إلى ما أكرهه لك.

نسی آدم(ع) تحذیر الله تعالى له، من إبلیس وعداوته، وغرّه تظاهر إبلیس بالعطف علیه والحزن لأجله، كما زعم له، فقال لإبلیس: "وما الحیلة التی حتى لاأخرج مما أنا فیه من النعیم؟" فقال اللعین: "إنّ الحیلة معك:" {أفلا أدلك على شجرة الخلد ومُلكٍ لایبلى}؟ وأشار الى الشجرة التی نهى الله آدم وحوّاء عن الأكل منها، وتابع قائلاً لهما: {مانهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلاّ أن تكونا ملكین أو تكونا من الخالدین}.

وازدادت ثقة آدم(ع) بإبلیس اللعین، وكاد یطمئن إلیه وهو العدوّ المبین، ثم إنّه استذكر فقال له: "أحقاً ماتقول": فحلف إبلیس بالله یمیناً كاذباً، أنّهُ لآدم من الناصحین، وعلیه من المشفقین، ثم قال له: "تأكل من تلك الشجرة أنت وزوجك فتصیرا معی فی الجنة إلى الأبد".

لم یظنّ آدمُ(ع)، أنّ مخلوقاً لله تعالى یحلف بالله كاذباً، فصدقه، وراح یأكل هو وحوّاء من الشجرة، فكان ذلك خلاف ما أمرهما به الله سبحانه وتعالى.

الخروج من الجنة

ماكاد آدم وحوّاءُ، یأكلا من الشجرة التی نهاهما الله عن الأكل منها، حتى نادى منادٍ من لدن العرش الإلهی، أن: "یاآدم، اخرج من جواری، فإنه لایُجاوِرُنی مَن عصانیْ".

وبكى آدم(ع) لما سمع الأمر الإلهیّ له بالخروج من الجنة... وبكت الملائكة لهذا المخلوق الذی سجدت له تكریماً. فبعث الله عزّ وجلّ جبرائیل(ع)، فأهبط آدم إلى الأرض، وتركه على جبل سرندیب فی بلاد الهند، وعاد فأنزل حوّاء إلى جُدَّة..

ثم أنّ الله سبحانه وتعالى، أمر آدم أن یتوجّه من الهند إلى مكة المكرّمة، فتوجّه آدم إلیها حتى وصل إلى الصفا... ونزلت حواء بأمر الله إلى المروة، حتى التقیا من جدید فی عرفة. وهناك دعا آدم ربّه مستغفراً: اللهم بحق محمد وآله والأطهار، أقلنی عثرتی، واغفر لی زلتی، وأعدنی إلى الدار التی أخرجتنی منها.

الرحمة والغفران

{وتلقى آدم من ربّه كلماتٍ فتاب علیه}.

وأوحى الله عزوجلّ إلى جبرائیل(ع): إنی قد رحمت آدم وحوّاء، فاهبط علیهما بخیمةٍ من خیم الجنة، واضربها لهما مكان البیت وقواعده، التی رفعتها الملائكة من قبل، وأنرها لهما بالحجر الأسود. فهبط جبرائیل(ع) بالخیمة ونصبها، فكان المسجد الحرام منتهى أوتادها، وجاء بآدم وحواء إلیها.

ثم إنّه سبحانه أمر جبرائیل بأن یُنَحّیهما منها، وأن یبنی لهما مكانها بیتاً بالأحجار، یرفع قواعده، ویتم بناءه للملائكة والخلق من آدم وولده، فعمد جبرائیل إلى رفع قواعد البیت كما أمره الله.

وأقال الله آدم عثرته، وغفر زلته، ووعده بأن یعیده إلى الجنة التی أُخرج منها. وأوحى سبحانه إلیه، أن: "یاآدم، إنی إجمع لك الخیر كله فی أربع كلمات: واحدة منهن لی، أن تعبدنی، ولاتشرك بی شیئاً، وواحدة منهن لك: أجازیك بعملك، أحوجَ ماتكون، وكلمة بینی وبینك: علیك الدعاء ومنی الإجابة، وواحدة بینك وبین الناس من ذریتك، ترضى لهم ماترضى لنفسك.

وهكذا، أنزل الله على آدم(ع) دلائل الألوهیة والوحدانیة، كما علمه الفرائض والأحكام والشرایع، والسنن والحدود.

قابیل یقتل هابیل

كان قابیل أول أولاد آدم(ع). فلما أدرك سنّ الزّواج، أظهر الله سبحانه جنیة یقال لها جهانة، فی صورة إنسیة، فلما رآها قابیل أحبها، فأوحى الله تعالى إلى آدم(ع) أن یزوجها من قابیل ففعل.

ثم لما ولد هابیل، الإبن الثانی لآدم (ع). وبلغ مبلغ الرجال، أهبط الله تعالى إحدى حوریّات الجنة، فرآها هابیل وأحبها، فأوحى الله لآدم (ع) أن یزوجه بها.

ثم إن الله سبحانه وتعالى، أمر نبیه آدم (ع)، أن یضع مواریث النبوة والعلم عند ولده هابیل، ویعرفه بذلك... ولما علم قابیل بذلك، غضب واعترض أباه قائلاً: "أنا أكبر من هابیل، وأنا أحق بهذا الأمر منه".

وتحیّر آدم(ع)، فأوحى الله إلیه أن یقول لابنه قابیل: "یابنی، إنّ الأمر لم یكن بیدی، وإنّ الله هو الذی أمرنی بذلك، ولم أكن لأعصی أمر ربی ثانیة، فأبوء بغضبه، فإذا كنت لاتصدقنی، فلیقرب كل واحدٍ منكما قرباناً إلى الله، وأیُّكما یتقبَّل الله قربانه، یكن هو الأولى، والأحق بالفضل ومواریث النبوة.

قدّم قابیل قرباناً من أیسر ملكه، وقدّم هابیل قربانه من أحسن ماعنده... فتقبل الله سبحانه قربان هابیل، بأن أرسل ناراً تركت قربان قابیل كما هو، ممّا أثار حفیظة قابیل، وأجّج نار الحقد فی صدره.

ووسوس له الشیطان بأن: اقتل أخاك فینقطع نسله، وتُریحُ أولادك من بعدم إن كان لك ولد، ثم لایجد أبوك من یعطیه المواریث سواك، فتفوز بها، وذریتك من بعدك..

وسوّلت له نفسه قتل أخیه هابیل، فقتله... وكانت أوّل جریمة على وجه الأرض، نفّرَت الوحوش والسّباع والطیور، خوفاً وفرقا.

ولم یدر قابیل كیف یخفی جریمته... وماذا یصنع بجسد أخیه الملقى على الأرض بلا حراك؟... ویبعث الله تعالى غرابین یقتتلان فی الجو، حتى یقتل أحدهما الآخر، ثم یهوی وراءه إلى الأرض، فیحفر، بمخالبه حفرة، یدفن فیها صاحبه، وقابیل ینظر ویرى.

أدرك قابیل عجزه وضعفه وقال: "یاویلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغُراب فأواری سوأة أخی} وأدفنُ جُثّتهُ، كما دفن هذا الطائر الصغیر الحقیرُ صاحِبُه المقتول؟! {فأصبح من النّادمین}.

ذریة آدم(ع)

ولد لآدم وحواء سبعون بطنا، على مایُروى، وكان أوّل أولادهما قابیل ثم هابیل اللذین لم ینجبا على مایبدو...

ولكن الله جلّ وعلا وهب لآدم وحوّاء إبنهما شیثا (هبة الله) ومن بعده ولد لهما یافث.. فلما أدركا وبلغا مبلغ الرجال، وأراد الله أن یبلغ بالنسل مانرى... وأن یكون ماقد جرى به القلم، من تحریم ماحرّم الله تعالى، من زواج الإخوة وبالأخوات أنزل سبحانه من الجنة حوریتین، هما نزلة ومنزلة، وأمر آدم أ، یزوجهما من شیث ویافث، فكان ذلك... وولد لشیث غلامٌ، وولدت لیافث جاریة، فأمر الله تعالى أن یزوج آدم (ع) إبنة یافث من ابن شیث.

ولم یحرم الله آدم وحوّاء من الإناث، فقد رزقهما الله ابنة أسمیاها عناق، تزوجت وولدت ولداً اسمه عوج، وصار فیما بعد جباراً شقیاً، عدواً لله ولأولیائه، فسلط الله علیه وعلى أمه عناق من قتلهما.

وفاة آدم وحوّاء

انقضت أیام آدم(ع)، فأمره الله أن یوصی إلى ولده شیث، ویدفع إلیه مواریث النبوة والعلم والآثار، وأمره بأن یكتم هذا الأمر عن قابیل، حتى لاتتكّرر الجریمة المأساة، ویقتله كما قتل أخاه هابیل من قبل.

وتوفی آدم(ع) ولهُ من الذریّة من ولده وأولاد ولده العدد الكثیر، بعد أن عمّر تسعمائة وستین سنة، ودفن فی جبل أبی قبیس، ووجهه إلى الكعبة المشرَّفة على ماذكر فی كتب السیر. ولم تعمرّ حواء بعد آدم إلاّ قلیلاً، عاماً واحداً مرضت بعده وماتت، ودفنت إلى جانب آدم(ع).

وفی أیام النبی نوحٍ(ع)، وعندما حصل الطوفان، أوحى الله سبحانه إلى نوحٍ أن یحمل معه فی السفینة جثمان أبیه آدم (ع) إلى الكوفة، فحمله إلى ظهر الكوفة، وهو النجف الأشرف، حیث دفنه هناك فی المكان المعروف بمرقد نوحٍ(ع)..

فسلام على آدم وحوّاء



استطلاع الرای

  • من این دوله تزورون موقعنا؟

المشاهدین الکرام

  • کل الضیوف :
  • مشاهدین الیوم:
  • مشاهدین البارحه :
  • مشاهدین فی هذه الشهر :
  • مشاهدین فی الشهر الماضی :
  • عدد الکتاب الموقع:
  • عدد الاخبار :

المواضیع

مدیر الموقع